الحمد للة

استماع القرآن الكريم

استماع القرآن الكريم

الأحد، 25 أبريل 2010

محمد صلى الله عليه وسلم _الجزء الأول




للشيخ عائض القرني
مقدمة



الحمد لله، والصلاة والسلام على عبدالله ورسوله محمد، وآله وصحبه، أما بعد:



فلا أستطيع أن ألزم الحياد في كتابتي عن أحبّ إنسان الى قلبي: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنني لا أكتب عن زعيم سياسي قدّم لشعبه أطروحته وعرض على أتباعه فكرته، ليقيم دولة في زاوية من زوايا الأرض، بل أكتب عن رسول ربّ العالمين، المبعوث رحمة للناس أجمعين.



ولن ألزم الحياد وأنا أكتب عنه؛ لأنني لا أكتب عن خليفة من الخلفاء له جنود وبنود ولديه حشود وعنده قناطير مقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسّومة والأنعام والحرث، ولكنني أكتب عن الرحمة المهداة والنعمة المسداة: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ولن ألزم الحياد لأنني لا أتكلم عن سلطان من السلاطين قهر الناس بسيفه وسوطه، وأخاف الناس بسلطانه وهيمانه وصولجانه، لكنني أتكلم عن معصوم شرح الله صدره ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره.



ولن ألزم الحياد لأنني لا أتكلم عن شاعر هدّار، أو خطيب ثرثار، أو متكلم موّار، أو فيلسوف هائم، أو روائي متخيل، أو كاتب متصنّعن أو تاجر منعم، بل أتحدث عن نبي خاتم، نزل عليه الوحي، وهبط عليه جبريل، ووصل سدرة المنتهى، له شفاعة كبرى، ومنزلة عظمى، وحوض مورود، ومقام محمود، ولواء معقود، فكيف ألزم الحياد إذاً؟



أتريد أن أحبس عواطفي وأن أقيد ميولي وأن أربط على نبضات قلبي وأنا أكتب عن أحب إنسان إلى قلبي وأغلى رجل وأعز مخلوق على نفسي؟ إن هذا لشسء عجاب!



أتريد مني أن أكفكف دموعي وأنا أخطّ سيرته، وأن أخمد لهيب روحي وأنا أسطّر أخباره، وأن أجمد خلجات فؤادي وأنا أدبج ذكرياته؟! لن أستطيع هذا، كلا وألف كلا.



لأنني أكتب عن أسوة وإمام معي بهداه في كل شاردة وواردة، أصلي فأذكره لأنه يقول: "صلوا كما رأيتموني أصلي" البخاري 631، أحجّ فأذكره لأنه يقول:" لتأخذوا عني مناسككم" مسلم 1297، في كل طرفة عين أذكره لأنه يقول:" من رغب عن سنتي فليس مني" البخاري 5063 ومسلم 1401، وفي كل لحظة أذكره لأن الله يقول:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } الأحزاب 21.



إنني أكتب عن أغلى الرجال وأجلّ الناس وأفضل البشر وأزكى العالمين، مرجعي في ذلك دفتر الحب المحفوظ في قلبي، ومصدري في ذلك ديوان الإعجاب المخطوط في ذاكرتي، فكأنني أكتب بأعصاب جسمي وشرايين قلبي، وكأن مدادي دمي ودموعي:



إن كان أحببت بعد الله مثله في

بدو وحضر ومن عرب ومن عجم

فلا اشتفى ناظري من منظر حسن

ولا تفوّه بالقول السديد فمي

**

زمانك بستان وعهدك أخضر

وذكراك عصفور من القلب ينقر

وكنت فكانت في الحقول سنابل

وكانت عصافير وكان صنوبر

لمست أمانينا فصارت جداولا

وأمطرتنا حبا ولا زلت تمطر

تعاودني ذكراك كلّ عشيّة

ويورق فكري حين فيك أفكّر

وتأبى جراحي أن تضمّ شفاهها

كأن جرح الحب لا يتخثر

أحبّك لا تفسير عندي لصبوتي

أفسّر ماذا والهوى لا يُفسّر

تأخرت يا أعلى الرجال فليلنا

طويل وأضواء القناديل تسهر



**





قصة النبوة

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنك تراه



اسمه:



محمد صلى الله عليه وسلم، اسم على مسمّى، علم على رمز، ووصف على إمام، جمع المحامد، وحاز المكارم، واستولى على القيم، وتفرّد بالمثل، وتميّز بالريادة، محمود عند الله لأنه رسوله المعصوم، ونبيّه الخاتم، وعبده الصالح، وصفوته من خلقه، وخليله من أهل الأرض، ومحمود عند الناس لأنه قريب من القلوب، حبيب الى النفوس، رحمة مهداة، ونعمة مسداة، مبارك أينما كان، محفوف بالعناية أينما وجد، محاط بالتقدير أينما حلّ وارتحل، حمدت طبائعه لأنها هذّبت بالوحي، وشرفت طباعه لأنها صقلت بالنبوة، فالله محمود ورسوله محمد:



وشقّ له من اسمه ليجلّه

فذو العرش محمود وهذا محمّد



واسمه أحمد، بشّر بذلك عيسى قومه، واسمه العاقب والحاشر والماحي، وهو خاتم الرسل وخيرة الأنبياء، وخطيبهم إذا وفدوا، وإمامهم إذا وردوا.



صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والمقام المحمود، صاحب الغرّة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المؤيّد بجبريل، حامل لواء العزّ في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبدمناف بن قصي، أشرف من ذُكر في الفؤاد، وصفوة الحواضر والبوادي، وأجلّ مصلح وهاد، جليل القدر، مشروح الصدر، مرفوع الذكر، رشيد الأمر، القائم بالشكر، المحفوظ بالنصر، البريء من الوزر، المبارك في كل عصر، المعروف في كل مصر، في همة الدهر، وجود البحر، وسخاء القطر، صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه، ما نجمٌ بدا، وطائر شدا، ونسيم غدا، ومسافر حدا.



واما نسبه:



فالرسول صلى الله عليه وسلم خيار من خيار، الى نسبه يعود كل مخار، وهو من نكاح لا من سفاح، آباؤه سادات الناس، وأجداده رؤوس القبائل، جمعوا المكارم كابرا عن كابر، واستولى على معالي الأمور، فلن تجد في صفة عبدالمطلب أجلّ منه، ولا في قرن هاشم أنبل منه، ولا في أتراب عبدمناف اكرم منه، ولا في رعيل قصيّ أعلى كعبا منه، وهكذا دواليك.. حتى ىدم عليه السلام، فهو صلى الله عليه وسلم سيد من سيد يروي المكارم أبا عن جد:



نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى

نورا ومن فلق الصباح عمودا



وأما موطنه عليه الصلاة والسلام:



فقد اختار الله له من بقاع العالم ومن بين أصقاعها أحبّ البلاد إليه سبحانه، البلد الحرام، والتربة الطاهرة، والأرض المقدسة، والوطن المحاط بالعناية المحروس بالرعايةن فولد صلى الله عليه وسلم في مكة حيث صلى الأنبياء، وتهجّد المرسلون، وهبط الوحي، وطلع النور، وأشرقت الرسالة، وسطعت النبوة، وانبلج فجر البعثة، وحيث البيت العتيق، والعهد الوثيق، والحب العميق، فمكة مسقط رأس المعصوم، وفيها مهد طفولته، وملاعب صباه، ومعاهد شبابه، ومراتع فتوّته، ورياض أنسه.



بلادٌ نيطت عليّ تمائمي

وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها



ففيها رضع لبن الطهر، ورشف ماء النبل، وحسا ينبوع الفضيلة، وفيها درج، ودخل وخرج، وطلع وولج، فهي وطنه الأول، بأبي هو وأمي، وهي بلدته العزيزة الى فؤاده، الحبيبة الى قلبه، الأثيرة الى روحه بنفسي هو.



وحبّب أوطان الرجال إليهم

معاهد قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو

عهود الصبا منها فحنّوا لذالكا



فهناك في مكة صنع ملحمته الكبرى، وبثّ دعوته العظمى، وأرسل للعالمين خطابه الحارّ الصادق، وبعث لأهل الأرض رسالته المشرقة الساطعة، حتى إنه لما أخرج من مكة ودّعها وداع الأوفياء وفارقها وما كاد يتحمّل هذا الفراق:{ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ(2) } البلد.



محمد صلى الله عليه وسلم طفلا:



فإن الطهر ولد معه والبِشر صاحبه، والتوفيق رافقه، فهو طفل لكن لا كالأطفال، براءة في نجابة، وذكاء مع زكاء، وفطنه مع عناية،، فعين الرعاية تلاحظه، ويد الحفظ تعاونه، وأغضان الولاية تظلله، فهو هالة النور بين الأطفال، حفظه الله من الرعونة ومن كل خلق رديء ووصف مقيت ومذهب سيء، لأنه من ثغره مرشح لإصلاح العالم، مهيأ لإسعاد البشرية، معدّ بعناية لاخراج الناس من الظلمات الى التور، فهو الرجل لكن النبي، والإنسان لكن الرسول، والعبد لكن المعصوم، والبشر لكن الموحى إليه.



محمد صلى الله عليه وسلم ليس زعيما فحسب، لأن الزعماء عدد شعر الرأس، لهم طموحات من العلوم ومقاصد من الرئاسة ومآرب من الدنيا، أما هو فصالح مصلح، هادٍ مهدي، معه كتاب سنة، ونور وهدى، وعلم نافع وعمل صالح، فهو لصلاح الدنيا والآخرة، ولسعادة الروح والجسد.



ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس عالما فحسب، بل يعلّم بإذن الله العلماء، ويفقه الفقهاء، ويرشد الخطباء، ويهدي الحكماء، ويدل الناس الى الصواب { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(52) } الشورى.



فكلهم من رسول الله ملتمسٌ

غرفاً من البحر أو رشفاً من اليمّ



ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس ملكا يبسط سلطانه وينشر جنوده وأعوانه، بل إمام معصوم ونبي نرسل، وبشير ونذير لكل ملك ومملوك، وحر وعبد، وغني وفقير، وأبيض وأسود، وعربي وعجمي { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) } الأنبياء، ويقول عليه الصلاة والسلام:" والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار". أخرجه مسلم 153 عن أبي هريرة رضي الله عنه.



وأما شبابه، فهو زينة الشباب وجمال الفتيان، عفة ومروءة وعقلا وأمانة وفصاحة، لم يكن يكذب كذبة واحدة، ولم تعلم له عثرة واحدة ولا زلة واحدة ولا منقصة واحدة، فهو طاهر الإزار مأمون الدخيلة، زاكي السر والعلن، وقور المقام، محترم الجانب، أريحيّ الأخلاق، عذب السجايا، صادق المنطق، عفّ الخصال، حسن الخلال.



لم يستطع أعداؤه حفظ زلة عليه مع شدة عداوتهم وعظيم مكرهم وضراوة حقدهم، بل لم يعثروا في ملف خلقه الكريم على ما يعيب، بل وجدوا والحمد لله كل ما غاظهم من نبل الهمة ونظافة السجل، وطهر في السيرة، وجدوا الصدق الذي يباهي سناء الشمس، ووجدوا الطهر الذي يتطهر به ماء الغمام، فهو بنفس الغاية في كل خلق شريف وفي كل مذهب عفيف، فكان في عنفوان شبابه مستودع الأمانات ومردّ الآراء ومرجع المحاكمات ومضرب المثل في البرّ والسموّ والرشد والفصاحة {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) } القلم.

محمد صلى الله عليه وسلم _الجزء الثاني




للشيخ عائض القرني

محمد صلى الله عليه وسلم رسولا:



فهو النبأ العظيم، والحدث الهائل، والخبر العجيب، والشأن الفخم، والأمر الضخم {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)} النبأ، فمبعثه حقيقة هو أروع الأنباء وأعظم الأخبار الذي سارت به الأخبار، وتحدّث به السمّار، ورعاه الركبان، واندهش منه الدهر، وذهب منه الزمن، فقد استدار له التاريخ ووقفت له الأيام، فقصة إرساله عليه الصلاة والسلام لا يلفها الظلام ولا تغطيها الريح ولا يحجبها الغمام، فإنما هي قصة عبرت البحار واجتازت القفار، ونزلت على العالم نزول الغيث، وأشرقت إشراق الشمس، فهو بإختصار نور، وهل يخفى النور؟ {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)} الصف.



وصحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث" أخرجه البخاري 79، ومسلم 2282 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.



عدوّك مذمومٌ بكل لسان

وإن كان أعداءك القمران

ولله سرٌّ في علاك وإنما

كلام الورى ضرب من الهذيان



فهو عليه الصلاة والسلام بعث ليعبد الله وحده لا شريك له، بعث ليوحد الله، بعث ليقال في الأرض: لا اله إلا الله محمد رسول الله، بعث ليحقّ الحق ويبطل الباطل، بعث بالمحجة البيضاء والملة الغرّاء والشريعة السمحاء، بعث بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، بعث بالخير والسلام والبرّ والمحبة والسعادة والصلاح، والأمن والإيمان، بعث بالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعث بمعالي الأمور ومكارم الأخلاق ومحاسن الطباع ومجامع الفضيلة، بعث لدحض الشرك وسحق الأصنام وكسر الأوثان وطرد الجهل ومحاربة الظلم وإزهاق الباطل ونفي الرذيلة، فما من خير إلا دلّ عليه، وما من شرّ إلا حذّر منه.



وأما خلقه عليه الصلاة والسلام فإن الله هو الذي أدّبه فأحسن تأديبه، فهو أحسن الناس خلقا، وأسدّهم قولا، وأمثلهم طريقة، وأصدقهم خبرا، وأعدلهم حكما، وأطهرهم سريرة، وأنقاهم سيرة، وأفضلهم سجايا، وأجودهم يدا، وأسمحهم خاطرا، وأصفاهم صدرا، وأتقاهم لربه، وأخشاهم لمولاه، وأعلمهم بالأمة، وأوصلهم رحمة، وأزكاهم منبتا، وأكرمهم محتدا، وأشجعهم قلبا، وأثبتهم جنانا، وأمضاهم حجة، وخيرهم نفسا ونسبا وخلقا ودينا.



فهو جميل الصفات مشرق المحيّا، قريب من القلوب، حبيب الى الأرواح، سهل الخليقة، ميسّر الطريقة، مبارك الحال، تعلوه مهابة وترافقه جلالة، على وجهه نور الرسالة، وعلى ثغره بسمة المحبة، حيّ القلب، ذكي الخاطر، عظيم الفطنة، سديد الرأي، ريان المشاعر بالخير، يسعد به جليسه، وينعم به رفيقه، ويرتاح له صاحبه، يحبّ الفأل ويكره الطيرة، يعفو ويصفح، ويسخو ويمنح، أجود من الريح المرسلة، وأكرم من الغيث الهاطل، وأبهى من البدر، وسع الناس بأخلاقه وطوّق الرجال بكرمه، وأسعد البشرية بدعوته، من رآه أحبّه، ومن عرفه هابه، ومن داخله أجلّه، كلامه يأخذ بالقلوب، وسجاياه تأسر الأرواح.



ثبّت الله قلبه فلا يزيغ، وسدّد كلامه فلا يجهل، وحفظ عينهفلا تخون، وحصّن لسانه فلا يزل، ورعى دينه فلا يضل، وتولى أمره فلا يضيع، فهو محفوظ مبارك ميمون {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} القلم، { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ } آل عمران159.يقول عليه الصلاة والسلام:" إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" أخرجه البخاري 20 عن عائشة رضي الله عنها. ويقول:" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله" أخرجه الترمذي 3895 والبيهقي في السنن 15477 عن عائشة. ويروى عنه أنه قال:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 20571. فسبحان من اجتباه واصطفاه وتولاه وحماه ورعاه وكفاه، ومن كل بلاء حسن أبلاه.



وأما دينه:



فهو الإسلام، دين الفطرة، دين الوسط، دين الفلاح والنجاة، أحبّ الأديان الى الله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } آل عمران، دين جاء لوضع الآصار والأغلال عن الأمة، سهل ميسّر، عام شامل، كامل تام {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً } المائدة 3.



دين جاء ليخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة ربّ العباد، ومن ضيق الدنيا الى سعة الاخرة، ومن ظلمات الشرك الى نور التوحيد، ومن شقاء الكفر الى سعادة الإيمان.



دين صالح لكل زمان ومكان، شرعه من يغفر الزلة، وهو الذي يعلم السرّ وأخفى، العالم بعلانية العبد والنجوى.



وهو الدين الوسط الذي جاء بالعلم النافع والعمل الصالح، خلاف ما كان عليه اليهود؛ لأن عندهم علم غير نافع لم يعملوا به، فغضب الله عليهم، وخلاف النصارى؛ لأن عندهم عمل بلا علم، فضلوا سواء السبيل. فدين الإسلام صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فالرسول صلى الله عليه وشلم بعث أميا من الأميين يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبله لمن الضالين، فجاء هذا الدين بتحريم الكذب في الأقوال والزور في الشهادة، والظلم في الأحكام، والجور في الولاية، والتصفيف في المكيال والميزان، والبغي على الناس والاعتداء على الغير والإضرار بالنفس والناس، فحفظ القلب بالإيمان، والجسم بأسباب الصحة، والمال من التلف، والعرض من الإنتهاك، والدم من السفك، والعقل من إذهابه وتغييره.



وأما كتابه:



فهو القرآن، أفضل الكتب وأجلّ المواثيق، وأحسن القصص وأحسن الحديث، فهو الحق المهيب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كتاب فصّلت آياته ثم أحكمت، مبارك في تلاوته وتدبره والاستشفاء به والتحاكم اليه والعمل به، كل حرف منه بعشر حسنات، شافع مشفّع، وشاهد صادق، أنيس ممتع، وسمير مفيد، وصاحب أمين، معجز مؤثر، له حلاوة وعليه طلاوة، يعلو ولا يعلى عليه، ليس بسحر ولا شعر ولا بكهانة ولا بقول بشر، بل هو كلام الله، منه بدا وإليه يعود، نزل به الروح الأمين على قلب رسول ربّ العالمين ليكون من المرسلين، بلسان عربي مبين، فهو الكتاب الذي بزّ فصاحة، وفاقها بلاغة، وعلا عليها حجة وبيانا، وهو هدى ورحمة وموعظة وشفاء لما في الصدور، ونور وبرهان ورشد وسداد ونصيحة وتعليم، محفوظ من التبديل، محروس من الزيادة والنقص، معجزة خالدة، عصمة لمن اتبعه ونجاة لمن عمل به، وسعادة لمن استرشده، وفوز لمن اهتدى بهديه، وفلاح لمن حكمه في حياته. يقول عليه الصلاة والسلام:" اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه" أخرجه مسلم 804 عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، وقال:" خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه" أخرجه البخاري 5027 عن عثمان رضي الله عنه، وقال:" إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين" أخرجه مسلم 817 عن عمر رضي الله عنه. وهو الكتاب الذي أفحم الشعراء، وأسكت الخطباء، وغلب البلغاء، وقهر العرب العرباء، وأعجز الفصحاء، وأعجب العلماء وأذهل الحكماء {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الإسراء

الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن . الجزء الثالث





محمد صلى الله عليه وسلم صادقا:


فهو أصدق من تكلم، كلامه حق وصدق وعدل، لم يعرف الكذب في حياته جادّا أو مازحا، بل حرّم الكذب وذمّ أهله ونهى عنه، وقال:" إنّ الصدق يهدي الى البر، وإن البرّ يهدي الى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا.." الحديث أخرجه البخاري 6094 ومسلم 2607 عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.



وأخبر ان المؤمن قد يبخل وقد يجبن، لكنه لا يكذب أبدا، وحذر من الكذب في المزاح لإضحاك القوم، فعاش عليه الصلاة والسلام والصدق حبيبه وصاحبه، ويكفيه صدقا صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن الله بعلم الغيب، وائتمنه الله على الرسالة، فأداها للأمة كاملة تامة، لم ينقص حرفا ولم يزد حرفا، وبلّغ الأمانة عن ربه بأتمّ البلاغ، فكل قوله وعمله وحاله مبني على الصدق، فهو صادق في سلمه وحربه، ورضاه وغضبه، وجدّ وهزله، وبيانه وحكمه، صادق مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، والرجل والمرأة، صادق في نفسه ومع الناس، في حضره وسفره، وحلّه وإقامته، ومحاربته ومصالحته، وبيعه وشرائه، وعقوده وعهوده ومواثيقه، وخطبه ورسائله، وفتاويه وقصصه، وقوله ونقله، وروايته ودرايته، بل معصوم من أن يكذب، فالله مانعه وحاميه من هذا الخلق المشين، قد أقام لسانه وسدّد لفظه، وأصلح نطقه وقوّم حديثه، فهو الصادق المصدوق، الذي لم يحفظ له حرف واحد غير صادق فيه، ولا كلمة واحدة خلاف الحق، ولم يخالف ظاهره باطنه، بل حتى كان صادقا في لحظاته ولفظاته وإشارات عينيه، وهو الذي يقول:" ما كان لنبي أن تكون له خائنة أعين" أخرجه أبو داود 4359 والنسائي 4067، وذلك لما قال له أصحابه: ألا أشرت لنا بعينك في قتل الأسير؟!



بل هو الذي جاء بالصدق من عند ربه، فكلامه صدق وسنّته صدق، ورضاه صدق وغضبه صدق، ومدخله صدق ومخرجه صدق، وضحكه صدق وبكاؤه صدق، ويقظته صدق ومنامه صدق {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ } الأحزاب8، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} التوبة، {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ (21) } محمد.



فهو صلى الله عليه وسلم صادق مع ربه، صادق مع نفسه، صادق مع الناس، صادق مع أهله، صادق مع أعدائه، فلو كان الصدق رجلاً لكان محمداً صلى الله عليه وسلم، وهل يُتعلم الصدق إلا منه بأبي هو وأم؟ وهل ينقل الصدق إلا عنه بنفسي هو؟ فهو الصادق الأمين في الجاهلية قبل الإسلام والرسالة، فكيف حاله بالله بعد الوحي والهداية ونزول جبريل عليه ونبوّته وإكرام الله له بالإصطفاء والاجتباء والاختيار؟!



محمد صلى الله عليه وسلم صابرا:



فلا يعلم أحد مرّ به من المصائب والمصاعب والمشاق والأزمات كما مرّ به صلى الله عليه وسلم، وهو صابر محتسب {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ } النحل 127، صبرعلى اليتم والفقر والعوز والجوع والحاجة والتعب والحسد والشماتة وغلبة العدو أحيانا، وصبر على الطرد من الوطن والإخراج من الدار والإبعاد عن الأهل، وصبر على قتل القرابة والفتك بالأصحاب وتشريد الأتباع وتكالب الأعداء وتحزّب الخصوم واجتماع المحاربين وصلف المغرضين وكبر الجبارين وجهل الأعراب وجفاء البادية ومكر اليهود وعتوّ النصارى وخبث المنافقين وضرواة المحاربين، وصبر على تجهّم القريب وتكالب البعيد، وصولة الباطل وطغيان المكذبين.. صبر على الدنيا بزينتها وزخرفها وذهبها وفضتها، فلم يتعلق منها بشيء، وصبر على إغراء الولاية وبريق المنصب وشهوة الرئاسة، فصدف عن ذلك كله طلبا لمرضاة ربه، فهو صلى الله عليه وسلم الصابر المحتسب في كل شأن من شؤون حياته، فالصبر درعه وترسه وصاحبه وحليفه، كلما أزعجه كلام أعدائه تذكّر {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } طه 130، وكلما بلغ به الحال أشدّه والأمر أضيقه تذكّر {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } يوسف 18، وكلما راعه هول العدو وأقضّ مضجعه تخطيط الكفار تذكّر{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } الأحقاف 35.



وصبره صلى الله عليه وسلم صبر الواثق بنصر الله، المطمئن الى وعد الله، الراكن الى مولاه، المحتسب الثواب من ربّه جلّ في علاه، وصبره صبر من علم أن الله سوف ينصره لا محالة، وأن العاقبة له، وأن الله معه، وأن الله حسبه وكافيه، يصبر صلى الله عليه وسلم على الكلمة النابية فلا تهزه، وعلى اللفظة الجارحة فلا تزعجه، وعلى الإيذاء المتعمّد فلا ينال منه.



مات عمه فصبر، وماتت زوجته فصبر، وقتل حمزة فصبر، وأبعد من مكة فصبر، وتوفي ابنه فصبر، وتوفي ابنه فصبر، ورميت زوجته الطاهرة فصبر، وكُذّب فصبر، قالوا له شاعر كاهن ساحر مجنون كاذب مفتر فصبر، أخرجوه، آذوه، شتموه، سبّوه، حاربوه، سجنوه.. فصبر، وهل يتعلّم الصبر إلا منه؟ وهل يُقتدى بأحد في الصبر إلا به؟ فهو مضرب المثل في سعة الصدر وجليل الصبر وعظيم التجمّل وثبات القلب، وهو إمام الصابرين وقدوة الشاكرين صلى الله عليه وسلم.



محمد صلى الله عليه وسلم جوادا:



فهو أكرم من خلق الله، وأجود البرية نفسا ويدا، فكفّه غمامة بالخير، ويده غيث الجود، بل هو أسرع بالخير من الريح المرسلة، لا يعرف "لا" إلا في التشهد:



كا قال "لا" قط إلا في تشهدّه

لولا التشهد كانت لاؤه نعم



يعطي عليه الصلاة والسلام عطاء من لا يخشى الفقر؛ لأنه بعث بمكارم الأخلاق، فهو سيد الأجواد على الإطلاق، أعطى غنما بين جبلين، وأعطى كل رئيس قبيلة من العرب مائة ناقة، وسأله سائل ثوبه الذي يلبسه فخلعه وأعطاه، وكان لا يردّ طالب حاجة، قد وسع الناس برّه، طعامه مبذول وكفه مدرار، وصدره واسع، وخلقه سهل، ووجه بسّام:



تراه إذا ما جئته متهللا

كأنك تعطيه الذي أنت سائله



ينفق مع العدم ويعطي مع الفقر، يجمع الغنائم ثو يوزعها في ساعة، ولا يأخذ منها شيئا، مائدته صلى الله عليه وسلم معروضة لكل قادم، وبيته قبلة لكل وافد، يضيف وينفق ويعطي الجائع بأكله، ويؤثر المحتاج بذات يده، ويصل القريب بما يملك، ويواسي المحتاج بما عنده، ويقدّم الغريب على نفسه، فكان صلى الله عليه وسلم آية في الجود والكرم، حتى لا يقارن به أجواد العرب كحاتم وهرم ابن جدعان؛ لأنه يعطي عطاء من لا يطلب الخلف إلا من الله، ويجود جود من هانت عليه نفسه وماله وكل ما يملك في سبيل ربه ومولاه، فهو أندى العالمين كفا، وأسخاهم يدا، وأكرمهم محتدا، قد غمر أصحابه وأحبابه وأتباعه، بل حتى أعداءه ببرّه وإحسانه وجوده وكرمه وتفضله، أكل اليهود على مائدته، وجلس الأعراب على طعامه، وحفّ المنافقون بسفرته، ولم يُحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه تبرّم بضيف أو تضجّر من سائل أو تضايق من طالب، بل جرّ أعرابي برده حتى أثّر في عنقه وقال له: أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك وأمّك، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم وضحك وأعطاه، وجاءته الكنوز من الذهب والفضة وأنفقها في مجلس واحد ولم يدّخر منها درهما ولا دينارا ولا قطعة، فكان أسعد بالعطية يعطيها من السائل، وكان يأمر بالإنفاق والكرم والبذل، ويدعو للجود والسخاء، ويذمّ البخل والإمساك، فيقول:" من كان بؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" أخرجه البخاري [ 6018، 6136، 6138] ومسلم 47 عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال:" كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 2431، وابن حبان في صحيحه 3310. وقال:" ما نقصت صدقة من مال" أخرجه مسلم 2588 عن أبي هريرة رضي الله عنه.



محمد صلى الله عليه وسلم شجاعا:



هذا مما تناقلته الأخبار وسار مسير الشمس في رابعة النهار، فكان أثبت الناس قلبا، وكان كالطود لا يتزعزع ولا يتزلزل، ولا يخاف التهديد والوعيد، ولا ترهبه المواقف والأزمات، ولا تهزه الحوادث والملمّات، فوّض أمره لربه وتوكل عليه وأناب إليه، ورضي بحكمه واكتفى بنصره ووثق بوعده، فكان عليه الصلاة والسلام يخوض المعارك بنفسه ويباشر القتال بشخصه الكريم، يعرّض روحه للمنايا ويقدّم نفسه للموت، غير هائب ولا خائف، ولم يفرّ من معركة قط، وما تراجع خطوة واحدة ساعة يحمي الوطيس وتقوم الحرب على ساق وتشرع السيوف وتمتشق الرماح وتهوي الرؤوس ويدور كأس المنايا على النفوس، فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه من الخطر، يحتمون أحيانا وهو صامد مجاهد، لا يكترث بالعدوّ ولو كثر عدده، ولا يأبه بالخصم ولو قوي بأسه، بل كان يعدل الصفوف ويشجع المقاتلين ويتقدم الكتائب.



وقد فرّ الناس يوم حنينن وما ثبت إلا هو وستة من أصحابه، ونزل عليه {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} النساء 84، وكان صدره بارزا للسيوف والرماح، يصرع الأبطال بين يديه ويذبح الكماة أمام ناظريه وهو باسم المحيا، طلق الوجه، ساكن النفس.



وقفت وما في الموت شك لواقف

كأنك في جفن الرّدى وهو نائم

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة

ووجهك وضّاح وثغرك باسم



وقد شُجّ عليه الصلاة والسلام في وجهه وكسرت رباعيته، وقتل سبعون من أصحابه، فما وهن ولا ضعف ولا خار، بل كان أمضى من السيف. وبرز يوم بدر وقاد المعركة بنفسه، وخاض غمار الموت بروحه الشريفة. وكان أول من يهبّ عند سماع المنادي، بل هو الذي سنّ الجهاد وحثّ وأمر به.



وتكالبت عليه الأحزاب يوم الخندق من كل مكان، وضاق الأمر وحلّ الكرب، وبلغت القلوب الحناجر، وظن بالله الظنون، وزلزل المؤمنون زلزالا شديدا، فقام صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو ويستغيث مولاه حتى نصره ربّه وردّ كيد عدوّه وأخزى خصومه وأرسل عليهم ريحا وجنودا وباؤوا بالخسران والهوان.



ونام الناس ليلة بدر وما نام هو صلى الله عليه وسلم، بل قام يدعو ويتضرّع ويتوسل الى ربه ويسأله نصره وتأييده، فيا له من إمام وما أشجعه! لا يقوم لغضبه أحد، ولا يبلغ مبلغه في ثبات الجأش وقوة القلب مخلوق، فهو الشجاع الفريد والصنديد الوحيد الذي كملت فيه صفات الشجاعة وتمّت فيه سجايا الإقدام وقوة البأس، وهو القائل:" والذي نفسي بيده لوددت أنني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل" أخرجه البخاري [36،2797] ومسلم 1876 عن أبي هريرة رضي الله عنه.



محمد صلى الله عليه وسلم زاهدا:



كان زهده صلى الله عليه وسلم زهد من علم فناء الدنيا وسرعة زوالها وقلة زادها وقصر عمرها، وبقاء الآخرة وما أعدّه الله لأوليائه فيها من نعيم مقيم وأجر عظيم وخلود دائم، فرفض صلى الله عليه وسلم الأخذ من الدنيا إلا بدقر ما يسدّ الرمق ويقيم الأود، مع العلم أن الدنيا عرضت عليه وتزيّنت له وأقبلت إليه، ولو أراد جبال الدنيا أن تكون ذهبا وفضة لكانت، بل آثر الزهد والكفاف، فربما بات جائعا ويمرّ الشهر لا توقد في بيته نار، ويستمر الأيام طاويا لا يجد رديء التمر يسدّ به جوعه، وما شبع من خبز الشعير ثلاث ليال متواليات، وكان ينام على الحصير حتى أثّر في جنبه، وربط الحجر على بطنه من الجوع، وكان ربما عرف أصحابه أثر الجوع في وجهه عليه الصلاة والسلام.



وكان بيته من طين، متقارب الأطراف، داني السقف، وقد رهن درعه في ثلاثين صاعا من شعير عند يهودي، وربما لبس إزارا ورداء فحسب، وما أكل على خوان قط، وكان أصحابه ربما أرسلوا له الطعام لما يعلمون من حاجته إليه، كل ذلك إكراما لنفسه عن أدران الدنيا، وتهذيبا لروحه وحفظا لدينه ليبقى أجره كاملا عند ربه، وليتحقق له وعد مولاه { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)} الضحى، فكان يقسم الأموال على الناس ثم لا يحوز منها درهما واحدا، ويوّزع الإبل والبقر والغنم على الأصحاب والأتباع والمؤلفة قلوبهم ثم لا يهب بناقة ولا بقرة ولا شاة، بل يقول عليه الصلاة والسلام:" لو كان لي كعضاة ـ أي شجر ـ تهامة مالا لقسمته ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا". أخرجه مالك في الموطأ 977، والطبراني في الأوسط 1864 والكامل لابن عدي 3\97.



وراودته الجبال الشمّ من ذهب

عن نفسه فأراها أيما شمم



بل وكان عليه الصلاة والسلام الأسوة العظمى في الإقبال على الآخرة وترك الدنيا وعدم الإلتفات إليها أو الفرح بها أو جمعها أو التلذذ بطيباتها أو التنعم بخيراتها، فلم يبن قصرا، ولم يدّحر مالا، ولم يكن له كنز ولا جنة يأكل منها، ولم يخلف بستانا ولا مزروعة، وهو القائل:" لا نورّث، ما تركناه صدقة" أخرجه البخاري [3039، 3712] ومسلم برقم 1758، وكان يدعو بقوله وفعله وحاله الى الزهد في الدنيا والاستعداد للآخرة والعمل.



ما نظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو إمام المسلمين وقائد المؤمنين وأفضل الناس أجمعين يسكن في بيت طين وينام على حصير بال ويبحث عن تمرات تقيم صلبه، وربما اكتفى باللبن.



بل خُيّر بين أن يكون ملكا رسولا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا، يشبع يوما ويجوع يوما، حتى لقي الله عز وجل.



ومن زهده في الدنيا سخاؤه وجوده كما تقدم، فكان لا يرد سائلا ولا يحجب طالبا ولا يخيّب قاصدا، وأخبر أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وقال:" كن في الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل" أخرجه البخاري 6416 عن ابن عمر رضي الله عنهما. ويروى عنه أنه قال:" ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" أخرجه ابن ماجه 4102 والطبراني في الكبير 10522 والحاكم 7833 عن سهل بن سعد الساعدي. وقال:" مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها" أخرجه أحمد [3701، 4196] والترمذي 2377، وابن ماجه 4109 عن عبدالله بن مسعود وقال الترمذي حسن صحيح، وقال:" الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما" أخرجه الترمذي 2322 وابن ماجه 4112 عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال:" ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" أخرجه مسلم 2958.







محمد صلى الله عليه وسلم متواضعا:



كان صلى الله عليه وسلم عجيبا في ذلك، فتواضعه تواضع من عرف ربّه مهابة، واستحيا منه وعظمه وقدّره حقّ قدره، وتطامن له وعرف حقارة الجاه والمال والمنصب، فسافرت روحه الى الله وهاجرت نفسه الى الدار الآخرة، فما عاد يعجبه شيء مما يعجب أهل الدنيا، فصار عبدا لربه بحق: يتواضع للمؤمنين، يقف مع العجوز ويزور المريض ويعطف على المسكين، ويصل البائس ويواسي المستضعفين ويداعب الأطفال ويمازح الأهل ويكلم الأمة، ويواكل الناس ويجلس على التراب وينام على الثرى، ويفترش الرمل ويتوسّد الحصير، قد رضي عن ربّه، فما طمع في شهرة أو منزلة أو مطلب أرضي أو مقصد دنيوي، يكلم النساء بلطف، ويخاطب الغريب بودّ، ويتألف الناس ويتبسّم في وجوه أصحابه يقول:" إنما أنا عبد: آكل كما يأكل العبد واجلس كما يجلس العبد" أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد 1\6، وابن سعد في الطبقات 1\371 وانظر كشف الخفاء 1\17 ، ولما رآه رجل ارتجف من هيبته قال:"هوّن عليك، فإني ابن امرأة كانت تاكل القديد بمكة" أخرجه ابن ماجه 3312، والحاكم 4366 عن ابن مسعود، وانظر الكامل لابن عدي 6\286.



وكان يكره المدح، وينهى عن إطرائه ويقول:" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدالله ورسوله، فقولوا عبدالله ورسوله" أخرجه البخاري 3445 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكان ينهى أن يقام له، وأن يوقف على رأسه، وكان يجلس حيثما انتهى به المجلس، وكان يختلط بالناس كأنه أحدهم، ويجيب الدعوة ويقول:" لو دعيت الى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع لقبلت" أخرجه البخاري [2568، 5178].



وكان يحب المساكين، ويروى عنه قوله:" اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين" أخرجه الترمذي 2352 عن أنس رضي الله عنه، وابن ماجه 4126 والحاكم 7911 عن أبي سعيد الخدري وصححه. وكان يحرّم الكبر وينهى عنه، ويبغض أهله ويقول:" يحشر المتكبرون يوم القيامة في صورة الذر، يغشاهم الذل من كل مكان" أخرجه أحمد 6639، والترمذي 2492، انظر كشف الخفاء 3236. ويروي عن ربه أنه قال:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منها قذفته في النار" أخرجه مسلم 2620 وأبو داود 4090 واللفظ له.



فكان صلى الله عليه وسلم محببا الى القلوب: تأخذه الجارية بيده فيذهب معها، ويزور أم أيمن وهي مولاة. ولما مدحه وفد عامر بن صعصعة وقالوا: أنت خيرنا وأفضلنا وسيدنا وابن سيدنا قال لهم:" يا أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، لا يستجريّنكم الشيطان" أخرجه أحمد 15876 وأبو داود 4806، وغضب لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وقال:" ويحك! أجعلتني والله عدلا؟ بل ما شاء الله وحده" أخرجه أحمد [1842، 2557] والنسائي في السنن الكبرى 10825 عن ابن عباس رضي الله عنهما.



وكان يحمل حاجة أهله ويخصف نعله ويرقع ثوبه ويكنس بيته ويحلب شاته ويقطع اللحم مع أهله، ويقرّب الطعام لضيفه، ويباسط زوّاره ويسأل عن اخبارهم، ويتناوب ركوب الراحلة مع رفيقه، ويلبس الصوف ويأكل الشعير، وربما مشى حافيا، وينام في المسجد، ويركب الحمار، ويردف على الدابة، ويعاون الضعيف ويتفقد السرية، ويكون في آخرهم فيساعد من احتاج، ويرافق الوحيد منهم..



فصلى الله عليه وسلم ما تحرّك بذكره اللسان، وسارت بأخباره الركبان، وردّد حديثه الإنس والجان.

محمد صلى الله عليه وسلم حليما:



ما دام أنه رسول الله فلا بد أن يكون أحلم الناس وأوسعهم صدرا، وألينهم عريكة وأدمثهم خلقا وألطفهم عشرة، فقد كان يطظم غيظه ويعفو ويصفح ويغفر لمن زلّ، ويتنازل عن حقوقه الخاصة ما لم تكن حقوقا لله. وقد عفا عمن ظلمه وطره من وطنه وآذاه وسبّه وشتمه وحاربه، فقال لهم يوم الفتح:" اذهبوا فأنتم الطلقاء" أخرجه الشافعي في الأم 7\361، والطبري في تاريخه 2\161 والبيهقي في السنن الكبرى 18055 انظر صحيح الجامع 4815. وعفا عن ابن عمّه سفيان بن الحارث يوم الفتح لما وقف أمامه وقال له: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فقال عليه الصلاة والسلام:{ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)} يوسف.



وقد واجهه الأعراب بالجفاء وسوء الأدب، فحلم وصفح، وقد امتثل أمر ربه في قوله:{ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)} الحجر، فكان لا يكافئ على السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح، وكان لا ينفذ غضبه إذا كان لنفسه، ولا ينتقم لشخصه، بل إذا غضب ازداد حلما، وربّما تبسّم في وجه من أغضبه، ونصح أحد أصحابه فقال:"لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب" أخرجه البخاري 6116.



وكان يبلغه الكلام السيء فيه، فلا يبحث عمن قاله ولا يعاتبه ولا يعاقبه. وورد عنه أنه قال:" لا يبلغني أحد منكم ما قيل فيّ، فإني أحب أن أخرج إليك وأنا سليم الصدر" أخرجه احمد 3750 وأبو داود 4860 والترمذي 3896 عن عبدالله بن مسعود. وبلّغه ابن مسعود كلاما قيل فيه، فتغيّر وجهه وقال:" رحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر" أخرجه البخاري [ 3150، 3405] ومسلم 1062.



وقد أوذي من خصومه في رسالته وعرضه وسمعته وأهله، فلما قدر عليهم عفا عنهم وحلم عليهم، وقال:" من كف غضبه كف الله عنه عذابه" أخرجه أبو يعلى 4338 والبيهقي في الشعب 8311 وانظر العلل لابن أبي حاتم 1919 ومجمع الزاوئد 10\298. وقال له رجل: اعدل، فقال:" خبت وخسرت إذا لم أعدل" أخرجه البخاري 3138 ومسلم 1063 واللفظ له عن جابر بن عبدالله، ولم يعاقبه بل صفح عنه. وواجه بعص اليهود بما يكره، فعفا وصفح، وقد وسع بخلقه وتسامحه الناس، وأطفأ بحلمه نار العداوات ممتثلا قول ربه:{ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96)} المؤمنون.



وكان مع أهله أحلم الناس، يمازحهم ويلاطفهم ويعفو عنهم فيما يصدر منهم، ويدخل عليهم باسما ضحاكا، يملأ قلوبهم وبيوتهم أنسا وسعادة، يقول خادمه أنس بن مالك: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ما قال لي في شيء فعلته: لم فعلت هذا؟ ولا شيء لم أفعله: لم لم تفعل هذا؟ وهذا غاية الحلم ونهاية حسن الخلق، وقمة جميل السجايا ولطيف العشرة، بل كان كل من رافقه أو صاحبه أو بايعه يجد من لطفه وودّه وحلمه ما يفوق الوصف، حتى تمكن حبّه من القلوب فتعلقت به الأرواح ومالت له نفوس الناس بالكلية:



وإذا رحمت فأنت أمّ أو أب

هذان في الدنيا هم الرحماء

وإذا سخوت بلغت بالجود المدى

وفعلت ما لم تفعل الأنواء

وإذا صحبت رأى الوفاء مجسّما

في بُردك الأصحاب والخلطاء

وأبديت حلمك للسفيه مداريا

حتى يضيق بحلمك السفهاء





محمد صلى الله عليه وسلم رحيما:



وصفه ربه بقوله:{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)}الأنبياء، فهو رحمة للبشرية.. ورد عنه أنه قال:" إنما أنا رحمة مهداة" أخرجه الدارمي 15 مرسلا، والحاكم موصولا عن أبي هريرة برقم 100 وصححه. ورأى ولد إحدى بناته تفيض روحه، فبكى، فلما سئل عن ذلك قال:" هذه رحمة يضعها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباه الرحماء" أخرجه البخاري [ 1284، 6655] ومسلم 923 عن أسامة بن زيد رضي الله عنه.



وكان رحمة على القريب والبعيد، عزيز عليه أن يدخل على الناس مشقة، فكان يخفف بالناس مراعاة لأحوالهم، وربما أراد أن يطيل في الصلاة فيسمع بكاء الطفل فيخفف لئلا يشق على أمه. ولما بكت أمامة بنت زينب ابنته حملها وهو يصلي بالناس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها. أخرجه البخاري 516، ومسلم543 عن أبي قتادة رضي الله عنه.

وسجد مرة فصعد الحسن على ظهره، فأطال السجود، فلما سلّم اعتذر للناس وقال:" إن إبني هذا ارتحلني، فكرهت أن أرفع رأسي حتى ينزل" أخرجه أحمد 27100 والنسائي 1141 عن شداد بن الهاد رضي الله عنه. وقال:" من أمّ منكم الناس فليخفف، فإن فيهم الكبير والصغير والمريض وذا الحاجة" أخرجه البخاري 703 ومسلم 467 عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقال لمعاذ لمّا طوّل بالناس:" أفتّان أنت يا معاذ؟" أخرجه البخاري [ 705، 6106] ومسلم 465 عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه. وقال:" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أخرجه البخاري 887 ومسلم 252 عن أبي هريرة رضي الله عنه. وربما ترك العمل خشية أن يفرض على الناس، وكان يتخوّل أصحابه بالموعظة...



كل ذلك رحمة منه صلى الله عليه وسلم، وكان يقول:" والقصد القصد تبلغوا" أخرجه البخاري 6463 عن أبي هريرة رضي الله عنه. ويقول:" بُعثت بالحنيفية السمحة" أخرجه أحمد 21788 عن أبي أمامة رضي الله عنه. ويقول:" خير دينكم أيسره" أخرجه أحمد 15506 وانظر مجمع الزوائد 3\308. ويقول:" عليكم هدياً قاصداً" أخرجه أحمد [ 22454، 22544] والبيهقي في السنن الكبرى 4519 عن بريدة الأسلمي، وانظر البيان والتعريف 2\109. ويقول: خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" أخرجه البخاري 5862 ومسلم 782 عن عائشة رضي الله عنها. وما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وأنكر على الثلاثة الذين شدّدوا على أنفسهم في العبادة، وقال:" والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فيس مني" أخرجه البخاري 5063 ومسلم 1401 عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وأفطر في سفر في رمضان، وقصر الرباعية، وجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، ونادى مؤذنه في المطر أن صلوا في رحالكم، وقال:" هلك المتنطعون" أخرجه مسلم 2670 عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. وقال:" ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه" أخرجه مسلم 2594 عن عائشة رضي الله عنها. وأنكر على عبدالله بن عمرو بن العاص إرهاق نفسه بالعبادة، ويقول:" إيّاكم والغلو" أخرجه أحمد [ 1854، 3238] والنسائي 3057، وابن ماجه 3029 وابن أبي عاصم في السنة 1\46 عن ابن عباس رضي الله عنهما وصححه. ويروى عنه قوله:" أمتي أمة مرحومة" أخرجه أحمد [ 19179، 19253] وأبو داود 4276 والحاكم 8372 عن أبي موسى رضي الله عنه وصححه.، وقال:" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" أخرجه البخاري 7288 ومسلم 1337 عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا اليسر في حياته عليه الصلاة والسلام يوافق يسر الملة وسهولة الشريعة، وهو امتثال منه صلى الله عليه وسلم لقول ربه:{ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8)} الأعلى، {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } البقرة 286، {فاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } التغابن 16،{ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } القرة 185،{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج 78.. وغيرها من الآيات.



فهو صلى الله عليه وسلم سهل ميسّر رحيم في رسالته ودعوته وعبادته وصلاته وصومه وطعامه وشرابه ولباسه وحله وترحاله وأخلاقه، بل حياته مبنية على اليسر؛ لأنه جاء لوضع الآصار والأغلال عن الأمة، فليس اليسر أصلا إلا معه، ولا يوجد اليسر إلا في شريعته، فهو اليسر كله، وهو الرحمة والرفق بنفسه، صلى الله عليه وسلم.



محمد صلى الله عليه وسلم ذاكرا:



كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس ذكرا لربه، حياته كلها ذكر لمولاه، فدعوته ذكر وخطبه ذكر ومواعظه ذكر وعبادته ذكر وفتاويه ذكر، وليله ونهاره وسفره وإقامته بل أنفاسه كلها ذكر لمولاه عز وجل، فقلبه معلق بربه، تنام عينه ولا ينام قلبه، بل النظر اليه يذكّر الناس بربّهم، وكل مراسيم حياته ومناسباته وذكر لخالقه جلّ في علاه.



وكان صلى الله عليه وسلم يحث الناس على ذكر ربهم، فيقول:"سبق المفردون: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" أخرجه مسلم 2676 عن أبي هريرة رضي الله عنه، ويقول:" مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحيّ والميت" أخرجه البخاري 6407 ومسلم 779 عن أبي موسى رضي الله عنه. ويقول:" لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله" أخرجه أحمد [ 17227، 17245] والترمذي 3375 وابن ماجه 3793 انظر المشكاة 2279. وأخبر أن أفضل الناس أكثرهم ذكرا لربه، وروى عن ربّه عز وجل قوله:" أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت شفتاه" أخرجه البخاري معلقا في كتاب التوحيد، باب قول الله { لاتحرك به لسانك}، وأحمد[10585، 10592] زابن ماجه3792 عن أبي هريرة رضي الله عنه. ويقول:" من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" أخرجه البخاري 7405 ومسلم 2675 عن أبي هريرة رضي الله عنه. وله عليه الصلاة والسلام عشرات الأحاديث الصحيحة التي تحث على الذكر وترغّب فيه، والتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة والاستغفار والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم.



وكان يذكّر الناس بأجر الذكر وما يترتب على ذلك من ثواب، وذكر الأعداد في ذلك مع ذكر المناسبات، وعمل اليوم والليلة، فهو صلى الله عليه وسلم الذاكر الشاكر الصابر، وهو الذي ذكّر الأمة بربها وعلمها تعظيمه وتسبيحه، وبيّن لها فوائد الذكر ومنافعه. فهو أسعد الناس بذكر ربه، وأهنؤهم عيشا بهذه النعمة، وأصلحهم حالا بهذا الفضل، فكان له أوراد من الأذكار مع حضور قلب وخشوع وخضوع وهيبة وخوف ومحبة ورجاء وطمع في فضل ربه.



محمد صلى الله عليه وسلم داعيا:



يقول تعالى:{ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر 60، ويقول:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } البقرة 186، ويقول صلى الله عليه وسلم:" الدعاء هو العبادة" أخرجه أحمد [ 17888، 17919] وأبو داود 1479 والترمذي [ 2969، 3247] عن النعمان بن بشير وصححه. ويقول:" من لم يسأل الله يغضب عليه" أخرجه البخاري في الأدب المفرد 658 والترمذي 3373 عن أبي هريرة رضي الله عنه وصححه. وكان عليه الصلاة والسلام لاهجا بدعاء ربه في كل حالاته، قد فوّض أمره لمولاه، وأكثر الإلحاح على خالقه يناشده رحمته وعفوه، ويطلب برّه وكرمه، وكان يختار جوامع الدعاء الكامل الشامل كقوله:" اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجه البخاري [ 4522، 6389] ومسلم 2688 عن انس رضي الله عنه. وقوله:" اللهم إني أسألك العفو والعافية" أخرجه أحمد 4770 وأبو داود 5074 وابن ماجه 3871 والحاكم 1902 عن ابن عمر رضي الله عنهما وصححه.



وكان يكرر الدعاء ثلاثا، ويبدأ بالثناء على ربه، وكان يستقبل القبلة عند دعائه، وربما توضأ قبل الدعاء، وكان يعلم الأمة أدب الدعاء، كالبداية بحمد الله والصلاة والسلام على رسوله، ودعاء الله بأسمائه الحسنى، والإلحاح في الدعاء، وتوخّي أوقات الإجابة كأدبار الصلوات، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من يوم الجمعة، ويوم عرفة، وفي حالة السجود والصوم والسفر، ودعوة الوالد لولده، وكان عليه الصلاة والسلام وقت الأزمات يلحّ على ربه ويناشده، ويكرر السؤال مع تمام الذلّ والخوف والحب وحسن الظن، وتمام الرجاء، كما فعل يوم بدر ويوم الخندق ويوم عرفة.



وكان الله يجيب دعوته ويلبّي طلبه، كما حصل له على المنبر يوم استسقى فنزل الغيث مباشرة، ويوم شق له القمر، وبارك له في الطعام والمال، ونصره في حروبه، ورفع دينه وأيّد حزبه وخذل أعداءه، وكبت خصومه، حتى حقق الله له مقاصده وأكرم مثواه وجعل له العاقبة صلى الله عليه وسلم.



محمد صلى الله عليه وسلم طموحا:



ولدت همته عليه الصلاة والسلام معه يوم ولد، فمنذ طفولته زنفسه مهاجرة الى معالي الأمور ومكارم الخلق، لا يرضى بالدون ولا يهوى السفاسف، بل هو الطموح والسبّاق المتفرّد والمبرز المحظوظ، ولقد ذكر أهل السير أنه عليه الصلاة والسلام وهو طفل كان لجده عبدالمطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه إلا هو لمنزلته، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم فنازع الخدم حتى جلس عليه، وأبى أن يجلس دونه.



وكان فيه قبل النبوة من سمات الريادة والزعامة والقيادة ما جعل قريش يسمونه الصادق الأمين، ويرضون حكمه ويعودون اليه في أمورهم.



فلما منّ الله عليه بالبعثة تاقت نفسه إلى الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة، فسأل الله إياها، وعلّمنا ان نسألها له من ربه، بلغ سدرة المنتهى، وحاز الكمال البشري المطلق، والفضيلة الإنسانية. ومن علوّ همّته رفضه للدنيا وعدم الوقوف مع مطالبها الزهيدة لولاياتها ومناصبها وقصورها ودورها.

الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن . الجزء الرابع




الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن

{ يا أيها النبي حسبك الله}



حسبك الله يكفيك من كل ما أهمّك، فيحفظك في الأزمات، ويرعاك في الملمّات، ويحميك في المدلهمّات، فلا تخش ولا تخف ولا تحزن ولا تقلق.



حسبك الله فهو ناصرك على كل عدو، ومظهرك على كل خصم، ومؤيدك في كل أمر، ويعطيك إذا سألت، ويغفر لك إذا استغفرت، ويزيدك إذا شكرت، ويذكرك إذا ذكرت، وينصرك إذا حاربت، ويوفّقك إذا حكمت.



حسبك الله فيمنحك العز بلا عشيرة، والغنى بلا مال، والحفظ بلا حرس، فأنت المظفّر لأن الله حسبك! وأنت المنصور لأن الله حسبك، وأنت الموفق لأن الله حسبك، فلا تخف من عين حاسد ولا من كيد كائد، ولا من مكر ماكر، ولا من خبث كافر، ولا من حيلة فاجر لأن الله حسبك.



وإذا سمعت صولة الباطل، ودعاية الشرك، وجلبة الخصوم، ووعيد اليهود، وتربّص المنافقين، وشماتة الحاسدين، فاثبت لأن حسبك الله.



إذا ولّى الزمان، وجفا الإخوان، وأعرض القريب، وشمت العدو، وضعفت النفس، وأبطأ الفرج، فاثبت لأن حسبك الله.



إذا داهمتك المصائب، ونازلتك الخطوب، وحفّت بك النكبات، وأحاطت بك الكوارث، فاثبت لأن حسبك الله، لا تلتفت الى أحد من الناس، ولا تدع أحدا من اليشر، ولا تتجه لكائن من كان غير الله.. لأن حسبك الله.



إذا ألمّ بك مرض، وأرهقك دين، وحلّ بك فقر، أوعرضت لك حاجة، فلا تحزن لأن حسبك الله.



إذا أبطأ النصر، وتأخر الفتح، واشتد الكرب، وثقل الحمل، وادلهمّ الخطب، فلا تحزن لأن حسبك الله، أنت محظوظ لأنك بأعيننا، وأنت محروس لأنك خليلنا، وأنت في رعايتنا لأنك رسولنا، وأنت في حمايتنا لأنك عبدنا المجتبى ونبيّنا المصطفى.







{لا تحزن إن الله معنا}



هذه الكلمة الجميلة الشجاعة قالها صلى الله عليه وسلم وهو في الغار مع صاحبه أبي بكر الصدّيق، وقد أحاط بهما الكفار، فقالها قوية في حزم، صادقة في عزم، صارمة في جزم:{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } التوبة 40. فما دام الله معنا فلم الحزن ولم الخوف ولم القلق، اسكن.. اثبت.. اهدأ.. اطمئن، لأن الله معنا.



لا نُغلب، لا نُهزم، لا نضل، لا نضيع، لا نيأس، لا نقنط، لأن الله معنا، النصر حليفنا، الفرج رفيقنا، الفتح صاحبنا، الفوز غايتنا، الفلاح نهايتنا لأن الله معنا.



من أقوى منا قلبا، من أهدى منا نهجا، من أجلّ من مبدأ، من أحسن منا سيرة، من أرفع مان قدرا؟! لأن الله معنا.



ما أضعف عدوّنا، ما أذلّ خصمنا، ما أحقر من حاربنا، ما أجبن من قاتلنا، لأن الله معنا.



لن نقصد بشرا، لن نلتجئ الى عبد، لن ندعو إنسانا، لن نخاف مخلوقا، لأن الله معنا.



نحن أقوى عدة وأمضى سلاحا، وأثبت جنانا وأقوم نهجا، لأن الله معنا.



نحن الأكثرون الأكرمون الأعلون الأعزّون المنصورون، لأن الله معنا.



يا أبا بكر اهجر همّك، وأزح غمّك، واطرد حزنك، وأزل يأسك، لأن الله معنا.



يا أبا بكر ارفع رأسك، وهدئ من روعك، وأرح قلبك، لأن الله معنا.



يا أبا بكر أبشر بالفوز، وانتظر النصر، وترقّب الفتح، لأن الله معنا.



غدا سوف تعلو رسالتنا وتظهر دعوتنا وتسمع كلمتنا، لأن الله معنا.



غدا سوف نُسمع أهل الأرض روعة الأذان وكلام الرحمن ونغمة القرآن، لأن الله معنا.







{وإنك لعلى خلق عظيم}



والله إنك لعظيم الأخلاق، كريم السجايا، مهذب الطباع، نقيّ الفطرة.



والله إنّك جمّ الحياء، حيّ العاطفة، جميل السيرة، طاهر السريرة.



والله إنك قمة الفضائل، ومنبع الجود، ومطلع الخير، وغاية الإحسان.



وإنك لعلى خلق عظيم.. يظلمونك فتصبر، يؤذونك فتغفر، يشتمونك فتحلك، يسبّونك فتعفو، يجفونك فتصفح.



{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} القلم.. يحبّك الملك والمملوك، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، والغني والفقير، والقريب والبعيد، لأنك ملكت القلوب بعطفك، وأسرت الأرواح بفضلك، وطوّقت الأعناق بكرمك.



{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} ..هذبّك الوحي، وعلمك جبريل، وهداك ربك، وصاحبتك العناية، ورافقتك الرعاية، وحالفك التوفيق.



{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} .. البسمة على محياك، البِِشر على طلعتك، النور على جبينك، الحب في قلبك، الجود في يدك، البركة فيك، الفوز معك.



من زار بابك لم تبرح جوارحه

تروي احاديث ما أوليت من منن

فالعين عن قرّة والكف عن صلة

والقلب عن جابر والسمع عن حسن



{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} .. لا تكذب ولو أن السيف على رأسك، ولا تخون ولو حزت الدنيا، ولا تغدر ولو أعطيت الملك، لأنبي نبيّ معصوم، وإمام قدوة، وأسوة حسنة.



{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}.. صادق ولو قابلتك المنايا، وشجاع ولو قاتلت الأسود، وجواد ولو سئلت كل ما تملك، فأنت المثال الراقي والرمز السامي.



{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}.. سبقت العالم ديانة وأمانة وصيانة ورزانة، وتفوقت على الكل علما وحلما وكرما ونبلا وشجاعة وتضحية.





{ما أنت بنعمة ربك بمجنون}



لست مجنونا كما قال أعداؤك لكن عندك دواء المجانين، فلمجنون الطائش والسفيه التافه من خالفك وعصاك وحاربك وجفاك.



{مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)} القلم.. وكيف يكون ذلك وأنت أكملهم عقلا، وأتمّهم رشدا، وأسدهم رأيا، وأعظمهم حكمة، واجلذهم بصيرة!



وكيف تكون مجنونا وأنت أتيت بوحي يكشف الزيغ، ويزيل الضلال، وينسف الباطل، ويمحو الجهل، ويهدي العقل، وينير الطريق.



لست مجنونا أنك على هدى من الله، وعلى نور من ربك، وعلى ثقة من منهجك، وعلى بيّنة من دينك، وعلى رشد من دعوتك، صانك الله من الجنون، بل عندك كل العقل وأكمل الرشد وأتم الرأي وأحسن البصيرة، فأنت الذي يهتدي بك العقلاء، ويستضيء بحكمتك الحكماء، ويقتدي بك الراشدون المهديّون.



كذب وافترى من وصفك بالجنون وقد ملأت الأرض حكمة والدنيا رشدا والعالم عدلا، فأين يوجد الرشد إلا عندك؟ وأين تكون الحكمة إلا لديم؟ وأين تحلّ البركة إلا معك؟ أنت أعقل العقلاء، وأفضل النبلاء، وأجلّ الحكماء. كيف يكون محمد مجنونا وقد قدّم للبشرية أحسن تراث على وجه الأرض، وأهدى للعالم أجلّ تركة عرفها الناس، وأعطى الكون أبرك رسالة عرفها العقلاء:



أخوك عيسى دعا ميتا فقام له

وأنت أحييت أجيالا من الرمم





{ وإنك لتهدي الى صراط مستقيم}



أنت يا محمد مهمّتك الهداية، ووظيفتك الدلالة، وعملك الإصلاح.. أنت تهدي الى صراط مستقيم، لأنك تزيل الشبهات وتطرد الغواية وتذهب الضلالة، وتمحو الباطل وتشيد الحق والعدل والخير.



أنت تهدي الى صراد مستقيم، فمن أراد السعادة فليتبعك، ومن أحبّ الفلاح فليقتد بك، ومن رغب في النجاة فليهتد بهداك.



أحسن صلاة صلاتك، وأتمّ صيام صيامك، وأكمل حجّ حجك، وأزكى صدقة صدقتك، وأعظم ذكرك لربك.



وأنت تهدي الى صراط مستقيم.. من ركب سفينة هدايتك نجا، من دخل دار دعوتك أمن، من تمسّك بحبل رسالتك سلم. فمن تبعك ما ذلّ، وما ضلّ وزلّ وما قل، وكيف يذلّ والنصر معك؟ وكيف يضل وكل الهداية لديك؟ وكيف يزل والرشد كله عندك؟ وكيف يقلّ والله مؤيدك وناصرك وحافظك؟



وإنك لتهدي الى صراط مستقيم لأنك وافقت الفطرة وجئت بحنيفية سمحة، وشريعة غرّاء، وملة كاملة، ودين تام.



هديت العقل من الزيغ، وطهّرت القلب من الريبة، وغسلت الضمير من الخيانة، وأخرجت الأمة من الظلام، وحرّرت البشر من الطاغوت.



وإنك لتهدي الى صراط مستقيم، فكلامك هدى، وحالك هدى، وفعلك هدى، و مذهبك هدى، فأنت الهادي الى الله، الدال على طريق الخير، المرشد لكل برّ، الداعي الى الجنة.







{ يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك}



أدّ الرسالة كاملة كما سمعتها كاملة، بلّغها تامّة مثلما حملتها تامة، لا تنقص منها حرفا، ولا تحذف كلمة، ولا تغفل جملة.



بلّغ ما أنزل إليك فهي أمانة في عنقك سوف تُسأل عنها، فبلغها بنصّها وروحها ومضمونها.



بلّغ ما أنزل إليك من الوحي العظيم والهدى المستقيم والشريعة المطهّرة، فأنت مبلّغ فحسب، لا تزد في الرسالة حرفا، ولا تضف من عندك على المتن، لا تُدخل شيئا في المضمون، لأنك مرسل فحسب، مبعوث ليس إلا، مكلف ببلاغ، مسؤول عن مهمة. فمثلما سمعت بلغ، ومثلما حُمّلت فأدّ.



بلّغ ما أنزل إليك، عرف من عرف، وأنكر من أنكر، استجاب من استجاب وأعرض من أعرض، أقبل من أقبل وأدبرمن أدبر.



بلغ ما أنزل إليك، بلّغ الكل وادع الجميع، وانصح الكافة، الكبراء والمستضعفين، السادة والعبيد، والإنس والجن، الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، الكبار والصغار.



بلّغ ما أنزل إليك.. فلا ترهب الأعداء ولا تخف الخصوم، ولا تخش الكفار، ولا يهولك سيف مصلت، أو رمح مشرع، أو منية كالحة، أو موت عابس، أو جيش مدجج، أو حركة حامية.



بلّغ ما أنزل إليك فلا يغريك مال، ولا يعجبك منصب، ولا يزدهيك جاه، ولا تغرّك دنيا، ولا يخدعك متاع، ولا يردّك تحرّج.



وشبّ طفل الهدى المحبوب متّشحا

بالخير متّزرا بالنور والنار

في كفّه شعلة تهدي وفي دمه

عقيدة تتحدّى كلّ جبّار

وفي ملامحه وعد وفي يده

عزائم صاغها من قدرة الباري



{ وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}:



إذا لم تؤد الرسالة كاملة فكأنك ما فعلت شيئا، وإن لم توصلها تامّة فكأنك ما قمت بها حق القيام، ولو كتمت منها مقالة أو عطلت منها نصا أو أهملت منها عبارة فما بلّغت رسالة الله وما أدّيت أمانة الله، نريد منك أن تبلّغ رسالتنا للناس كما أُلقيت عليك، وكما نزل بها جبريل وكما وعاها قلبك.



{والله يعصمك من الناس}:



بلغ الرسالة كاملة ولا تخف أحدا، وكيف تخاف من أحد ونحن معك نحفظك ونمنعك ونحميك ونذبّ عنك؟! لن يقتلك أحد لأن الله يعصمك من الناس، ولن يطفئ نورك أحد لأن الله يعصمك من الناس، ولن يعطّل مسيرتك أحد لأن الله يعصمك من الناس، اصدع بما تؤمر، وقل كلمتك صريحة شجاعة قوية لأن الله يعصمك من الناس. اشرح دعوتك، وابسط رسالتك، وارفع صوتك، وأعلن منهجك، وما عليك لأن الله يعصمك من الناس.



كل قوة في الأرض لن تستطيع لك، كلّ جبروت في الدنيا لا يهزمك، كل طاغية في المعمورة لن يقهرك، لأن الله يعصمك من الناس.



ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على

خير البريّة لم ينسج ولم يحم

عناية الله أغنت عن مضاعفه

من الروع وعن عالٍ من الأطم







{ألم نشرح لك صدرك}



أما شرحنا لك صدرك فصار وسيعا فسيحا لا ضيق فيه، ولا حرج ولا همّ ولا غمّ ولا حزن، بل ملأناه لك نورا وسرورا وحبورا.



أما شرحنا لك صدرك وملأناه حكمة ورحمة وإيمانا وبرا وإحسانا.



وشرحنا لك صدرك فوسعت أخلاق الناس، وعفوت عن تقصيرهم، وصفحت عن أخطائهم، وسترت عيوبهم، وحلمت على سفيههم، وأعرضت عن جاهلهم، ورحمت ضعيفهم.



شرحنا لك صدرك فكنت كالغيث جوادا، وكالبحر كرما، وكالنسيم لطفا، تعطي السائل، وتمنح الراغب، وتكرم القاصد، وتجود على المؤمّل.



شرحنا لك صدرك فصار بردا وسلاما يطفئ الكلمة الجافية، ويبرد العبارة الجارحة، فإذا العفو والحلم والصفح والغفران.



شرحنا لك صدرك فصبرت على جفاء الأعراب، ونيل السفهاء، وعجرفة الجبابرة، وتطاول التافهين، وإعراض المتكبرين، ومقت الحسدة، وسهام الشامتين، وتجهّم القرابة.



شرحنا لك صدرك فكنت بسّاما في الأزمات، ضحّاكا في الملمّات، مسرورا وأنت في عين العاصفة، مطمئنا وأنت في جفن الردى، تداهمك المصائب وأنت ساكن، وتلتفّ بك الحوادث وأنت ثابت، لأنك مشروح الصدر، عامر الفؤاد، حيّ النفس.



شرحنا لك صدرك فلم تكن فظا قاسيا غليظا جافيا، بل كنت رحمة وسلاما وبرا وحنانا ولطفا، فالحلم يُطلب منك، والجود يُتعلّم من سيرتك، والعفو يؤخذ من ديوانك.



{ووضعنا عنك وزرك}:



حططنا عنك خطاياك وغسلناك من آثار الذنوب.



فأنت مغفور لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت الآن نقيّ طاهر من كل ذنب وخطيئة، ذنبك مغفور، وسعيك مشكور، وعملك مبرور، وأنت في كل شأن من شؤونك مأجور، فهنيئا لك هذا الغفران، وطوبى لك هذا الفوز، وقرة عين لك هذا الفلاح.



{الذي أنقض ظهرك}:



أثقل هذا الوزر كاهلك، وأضنى ظهرك حتى كاد ينقضه ويوهنه، فالآن أذهبنا هذا الثقل وأزلنا هذه التبعة، وأعفيناك من هذا الخطب، وأرحناك من هذا الحمل، فاسعد بهذه البشرى، وتقبّل هذا العطاء، وافرح بهذا التفضّل.



{ورفعنا لك ذكرك}:



لا أُذكر إلا تذكر معي، يقرن ذكرك بذكري في الأذان والصلاة والخطب والمواعظ، فهل تريد شرفا فوق هذا؟ يذكرك كل مصلّ وكل مسبّح وكل حاجّ وكل خطيب، فهل تطلب مجدا أعلى من هذا؟



أنت مذكور في التوراة والإنجيل، منوّه باسمك في الصحف الأولى والدواوين السابقة، اسمك يشاد به في النوادي، ويُتلى في الحواضر والبوادي، ويُمدح في المحافل، ويُكرر في المجامع.



رفعنا لك ذكرك فسار في الأرض مسير الشمس، وعبر القارات عبور الريح، وسافر في الدنيا سفر الضوء، فكل مدينة تدري بك، وكل بلد يسمع بك، وكل قرية تسأل عنك.



رفعنا لك ذكرك فصرت حديث الرّّكب، وقصة السّمر، وخبر المجالس، وقضية القضايا، والنبأ العظيم في الحياة.



رفعنا لك ذكرك فما نُسي مع الأيام، وما مُحي مع الأعوام، وما شُطب مع قائمة الخلود، وما نُسخ من ديوان التاريخ، وما أغفل من دفتر الوجود، نُسي الناس إلا أنت، وسقطت الأسماء إلا اسمك، وأغفل العظماء إلا ذاتك، فمن ارتفع ذكره من العباد عندنا فبسبب اتّباعك، ومن حُفظ اسمه فبسبب الاقتداء بك. ذهبت آثار الدول وبقيت آثارك، ومُحيت مآثر السلاطين وبقيت مآثرك، وزالت أمجاد الملوك وخلّد مجدك، فليس في البشر أشرح منك صدرا، ولا أرفع منك ذكرا، ولا أعظم منك قدرا، ولا أحسن منك أثرا، ولا أجمل منك سيرا.



إذا تشهّد متشهّد ذكرك معنا، وإذا تهجّد متهجّد سمّاك معنا، وإذا خطب خطيب نوّه بك معنا، فاحمد ربّك لأننا رفعنا لك ذكرك.



{ فإن مع العسر يسرا* إن مع العسر يسرا}:



إذا ضاقت عليك السبل وبارت الحيل، وتقطعت الحبال وضاق الحال، فاعلم أن الفرج قريب وأن اليسر حاصل.



لا تحزن، فإن بعد الفقر غنى، وبعد المرض شفاء، وبعد البلوى عافية، وبعد الضيق سعة، وبعد الشدّة فرحا.



سوف يصلك اليسر أنت وأتباعك، فترزقون وتنصرون وتكرمون ويفتح عليك، ولكن ليس يسر واحد بل يسران.



إنها سنة ثابتة وقاعدة مطّردة أن مع كل عسر يسرا، بعد الليل فجر صادق، وخلف جبل المشقة سهل الراحة، ووراء صحراء الضيق روضة خضراء من السعة، إذا اشتد الحبل انقطع، وإذا اكتمل الخطب ارتفع، سوف يصل الغائب، ويشفى المريض، ويعافى المبتلى، ويفكّ المحبوس، ويغنى الفقير، ويشبع الجائع، ويروى الظمآن، ويسرّ المهموم، وسيجعل الله بعد عسر يسرا.



وهذه السورة نزلت عليه الصلاة والسلام وهو في حال من الضيق، وتكالب الأعداء، واجتماع الخصوم، وإعراض الناس، وقلة الناصر، وتعاظم المكر، وكثرة الكيد، فكان لا بد له من عزاء وسلوة وتطمين وترويح، فنزلت هذه الكلمات له ولأتباعه الى يوم القيامة وعدا صادقا وبشر طيبة، وجائزة متقبّلة:



اشتدي أزمة تنفرجي

قد آذن ايلك بالبلج



{فإذا فرغت فانصب}:



إذا انتهيت من أعمالك الدنيوية وأشغالك الشخصية فانصب لنا بالعبادة، وتوجّه لنا بالطاعة، وأكثر من ذكرنا ودعائنا.



إذا فرغت من الناس وقضايا الناس وأسئلة الناس فقم في محراب عظمتنا، وانطرح على بابنا، واقرب منا، ومرّغ جبينك لنا، لتلقى الفوز والفلاح والأمن والنجاة.



إذا فرغت من الأهل والولد والقريب والصاحب فاجعل لك وقتا معنا، ارفع فيه سؤالك، اعرض فيه حاجتك، أكثر فيه دعاءك، ادعنا وسبّحنا واطلبنا واستغفرنا واشكرنا واذكرنا.



إذا فرغت من الأحكام والقضايا والموعظة والفتيا والتعليم والإرشاد والجهاد والنصيحة، فتعال لتزداد من قوتنا قوة، ومن مددنا عونا، ومن رزقنا زادا، ومن فتحنا بصيرة وذخيرة.



نحن أولى بك منك، وأحق بفراغك من غيرنا، ويا له من توجيه له ولأتباعه عليه الصلاة والسلام في صرف الفراغ في العبودية، وملء هذا الزمن بذكره وشكره جلّ في علاه، ليحصل المقصود من الرضا والسكينة والفرج والعاقبة الحسنة وصلاح الحال والمال، وعمار الدنيا والآخرة.



{وإلى ربّك فارغب}:



إلى ربك وحده فارغب، ولا ترغب من غيره شيئا، وإليه وحده فاتجه وعليه توكّل، وفيه فأمل، فإن الرغبة والرهبة لا تكون إلا إليه لأنه صاحب الثواب لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه، والرغائب الجليلة لا يملكها إلا الله، فعنده مفاتح الخزائن ومقاليد الأمور، فهو أهل أن يدعى وأن يسأل وأن يؤمل وأن يقصد جلّ في علاه:



إليك وإلا لا تشدّ الركائب

ومنك وإلا فالمؤمّل خائب

وفيك وإلا فالغرام مضيّعٌ

وعنك وإلا فالمحدث كاذب



وقد تنزلت هذه الكلمات على رسولنا صلى الله عليه وسلم في فترات عصيبة، وفي لحظات حاسمة عاشها صلى الله عليه وسلم وتجرّع غصصها وحسا مرارتها.



{إنا فتحنا لك فتحا مبينا}



لقد فتحنا لك يا محمد فتحا بيّنا ظاهرا مباركا، فتحنا لك القلوب فغرست بها الإيمان، وفتحنا لك الضمائر فبنيت فيها الفضيلة، وفتحنا لك الصدور فرفعت فيها الحق، وفتحنا لك البلدان فنشرت بها الهدى، وفتحنا لك كنز المعرفة وديوان العلم ومستودع التوفيق، وفتحنا بدعوتك القلوب الغلف والعيون العني والآذان الصمّ، وأسمعنا رسالتك الثقلين.



فتحنا لك فتدفّق العلم النافع من لسانك، وفاض الهدى المبارك من قلبك، وسحّ الجود من يمينك.



وفتحنا لك فحزت الغنائم وقسمتها، وجمعت الأرزاق ووزعتها، وحصلت على الأموال وأنفقتها.



وفتحنا لك باب العلم وأنت الأميّ الذي ما قرأ وكتب، فصار العلماء ينهلون من بحار علمك.



وفتحنا عليك الخير فوصلت القريب وأعطيت البعيد، وأشبعت الجائع وكسوت العاري، وواسيت المسكين، وأغنيت الفقير، بفضلنا ورزقنا وكرمنا.



وفتحنا لك القلاع والمدن والقرى، فهيمن دينك، وارتفعت رايتك، وانتصرت دولتك، فأنت مفتوح عليك في كل خير وبرّ وإحسان ونصر وتوفيق.







{فاعلم أنه لا إله إلا الله}



{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} محمد 19، فلا تشرك معه في عبوديته أحدا، ولا تعد من دونه إلها آخر، بل تصرف له عبادتك، وتخلص له طاعتك، وتوحّد قصدك له ومسألتك ودعاءك، فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فلا يستحق العبادة إلا هو، ولا يكشف الضرّ غيره، ولا يجيب دعوة المضطر سواه.



{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فهو أحق من شُكر وأعظم من ذكر، وأرأف من ملك، وأجود من أعطى، وأحلم من قدر، وأقوى من أخذ، وأجلّ من قصد، وأكرم من ابتغي، فلا يدعى إله سواه، ولا رب يطاع غيره، فالواجب أن يُعبد وأن يُوحّد وأن يُخاف وأن يُطاع وأن يُرهب وأن يُخشى وأن يُحب.



{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} المتفرد بالجمال والكمال والجلال، خلق الخلق ليعبدوه، وأوجد الإنس والجن ليوحّدوه، وأنشأ البريّة ليطيعوه، فمن أطاعه فاز برضوانه، ومن أحبّه نال قربه، ومن خافه أمن عذابه، ومن عظمه أكرمه، ومن عصاه أدّبه، ومن حاربه خذله، يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويذلّ من كفره، له الحكم وإليه ترجعون.



{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} فأخلص له العبادة، لأنه لا يقبل الشريك، وفوّض إليه الأمر لأنه الكافي القويّ، واسأله فهو الغني، وخف عذابه لأنه شديد، واخش أخذه لأنه أليم، ولا تتعدّ حدوده لأنه يغار، ولا تحارب أولياءه، لأنه ينتقم، واستغفره فهو واسع المغفرة، واطمع في فضله لأنه كريم، ولذ بجنابه فهناك الأمن، وأدم ذكره لتنل محبته، وأدمن شكره لتحظى بالمزيد، وعظم شعائره لتفوز بولايته، وحارب أعداءه ليخصّك بنصره.





{إقرأ}



تبدأ قصة النبوة بكلمة:{اقْرَأْ} يوم نزلت على رسولنا صلى الله عليه وسلم في الغار، ومن بداية {اقْرَأْ} بدأنا، بدأ تاريخنا ومجدنا وحياتنا، ومن تاريخ نزول {اقْرَأْ} بدأت مسيرتنا المقدّسة، وتغيّر بها وجه الأرض وصفحة الأيام ومعالم الدنيا، فتلك اللحظة هي أسعد لحظة في حياتنا نحن المسلمين، وهي اللحظة الفاصلة بين الظلام والنور، والكفر والإيمان، والجهل والعلم، واختيار اقرأ من بين قاموس الألفاظ وديوان اللغة له سر عجيب ونبأ غريب، فلم يكن مكان {اقْرَأْ} غيرها من الكلمات، لا " اكتب"، ولا "ادع" ولا "تكلم" ولا "قل"، ولا "اخطب".... إنما {اقْرَأْ}، ويا لها من كلمة جليلة جميلة أصيلة.







اقرأ يا محمد قبل أن تدعو، واطلب العلم قبل أن تعمل {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } محمد 19.



إن {اقْرَأْ} منهج حياة، ورسالة حية لكل حيّ تطالبه بتحصيل العلم النافع وطلب المعرفة، وأن يطرد الجهل عن نفسه وأمته.



وأين يقرأ بأبي وأمي وما تعلّم على شيخ ولا درس كتابا ولا حمل قلما؟



يقرأ أولا باسم ربه كلام ربّه، فمصدره الأول الوحي يتلوه غضّا طريا، ويقرأ في كتاب الكون المفتوح ليرى أسطر الحكمة تخطها أقلام القدرة، فيقرأ في الشمس الساطعة، والنجوم اللامعة، والجدول والغدير، والتل والرابية، والحديقة والصحراء، والأرض والسماء:



وكتابي الفضاء اقرأ فيه

صورا ما قرأتها في كتابي



وكلمة {اقْرَأْ} تدلك على فضل العلم وعلوّ مكانته، وأنه أول منازل الشرف الرافعة.



وإن كل سعادة وفلاح سببها العلم، فرسالته صلى الله عليه وسلم علميّة عمليّة، لأنه بعث بالعلم النافع والعمل الصالح " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث" أخرجه البخاري 79 ومسلم 2282 عن أبي موسى رضي الله عنه.



فاليهود عندهم علم بلا عمل، فغضب عليهم، والنصارى لديهم عمل بلا علم فضلوا، فأمرنا بالاستعاذة من سبيل الطائفتين {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7) } الفاتحة.

الخميس، 1 أبريل 2010

طرق إبداعية في حفظ القرآن الكريم





باستخدام علم البرمجة اللغوية العصبية


وقامت إحدى الأخوات الفاضلات ووالدتها بجمعها وعرضها في منتدى البحوث والدراسات القرآنية فجزاهما الله خير الجزاء ..

وقد قمت بتنسيقها على ملف وورد وأتمنى أن يستفيد منها الجميع مثلما استفدت منها ...كما أرجو ممن قرأ محتوى هذا الملف الدعاء للشيخ الدكتور أولاً ثم لمن حضر هذه الدورة وقام بجمع مواضيعها وكتابتها وعرضها في منتدى البحوث والدراسات القرآنية ثم لمن نسقها على برنامج الوورد وأشرف عليها وساهم في إيصالها إليكم ,, تقبل الله منا ومنكم وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .

الجزء الأول



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين...والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم و أكرمنا بنور الفهم....وافتح علينا بمعرفة العلم وزين أخلاقنا بالحلم وسهل علينا من أبواب فضلك وانشر علينا من خزائن رحمتك يا أرحم الراحمين ... وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...

إخواني وأخواتي :

ما أحوجنا في هذه الأيام إلى أن نتواصل على مائدة القرآن الكريم ... ولو تساءلنا : لماذا قلنا الكريم ؟؟؟؟ لماذا هذه الصفة ؟؟؟؟الكريم : هل هي بمعنى المكرّم وهو اسم مفعول ... المعظم المقدس ....؟؟

نعم يمكن أن نفهم هذا.... ولكن هل لنا أن نفهم أن كلمة الكريم اسم فاعل ( فعيل ) بمعنى أنه مكرِم لغيره من الرباعي …

بمعنىأن مائدة القرآن مفتوحة لكل من يرد عليها وينهل منها.. فالقرآن الكريم يفتحأبوابه للجميع ، ومائدته مبسوطة وفواكهه البديعة تعجب كل من يرد عليها مهما اختلفت الثقافات والمشارب فالجميع ينهل من هذه المائدة العظيمة كل حسب علمه ومستواه ,,


نحن في هذه الدورة سنكون على مائدة القرآن العظيم .... فأنعم بها من دورة وجلسة بديعة ,,

أفكار إبداعية في حفظ القرآن الكريم .. نحلل هذا العنوان :(( أفكار إبداعية باستخدام البرمجة العصبية ((

أفكار:هي مجموعة من الأفكار ومعلومات توصلنا إليها من خلال تجارب عملية ومما رأيته بنفسيليست خيالية وإنما هي من واقع الحياةونحن في هذا الوقت بأشد الحاجة إلىالأفكار العملية والواقعية . وذلك لأنه لا يمكن للمسلم أن يعتقد أن هناك فشلولكن هناك تجارب كل شيء علينا أن نجربه وبإمكاننا ذلك.. فإن جاءتك فكرةدوّنها مباشرة فكم وكم من فكرة ولدّتها الظروف الوقتية والمناسبات ثم نسيتها بسببعدم تدوينها ..


إذا هناك: استقبال ----- < تحليل----- < استحصالالفوائد منه .

إبداعية : التفكير بأشياء مألوفة بطريقة غير مألوفةوهي أفكار بلا مثيل سابق لها.

ولو رجعنا إلى هذا العلم ( البرمجة العصبية ) وكيفية نشأته لوجدنا أن في بداية الستينات بدأ العالمان باندلر وجون جرندر تحليل حياة وشخصية أناس مشهورين باعتبارهم ( المثل الأعلى ) ( القدوة الحسنة) وقاموا بنمذجة الناجحين ..كان أحدهما أستاذ رياضيات فتحاورا في قضية :

لماذا أكثر الناس تعساء وفقراء ؟؟

جاؤوا إلى شركة ناجحة ,,,وتساءلوا كيف نجحت .؟؟؟ وقاموا بدراسة الشخص الفعال في الشركة دراسة الوجود الذهني ، فتوصلوا إلى نمذجة الشخص (المثل الأعلى ) .


لو أخذنا مثالا من حياة وسيرة سيدناوحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعلناه المثل الأعلى ....وسيدنا علي بن أبيطالب ... تخيلوا كيف يفدي نفسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ينام بمكانه ليلةالهجرة تخيلوا .. وهو يعلم أن الكفار قد اجتمعوا على قتله تخيلوا ... هذه الشجاعةوالتضحية والمحبة...


* أما في مجال القرآن الكريمفأنا أقومالآن بنمذجة أحد الأساتذة الفضلاءوهو شاب حفظ القرآن الكريم في 55 يوما هلهو يختلف عنا ؟؟ لا ...

هو يأكل مثلنا ويمشي مثلنا ويرتاح وعنده زوجة وأولاد .. غير متميز عنا .. لماذا؟؟

واسمعوا لهذا النموذج الآخر الفذ العجيب:





* طفل مصري حفظ القرآن وعمره 10 سنوات استضيف للعمرة كان يأتي بجميع الآيات الخاصة بموضوع معين مجرد أن يطلب منه ذلك .. احتفلوا به ودعاه احد العلماء لحضوراجتماع وطلبوا منه أن يحدثهم .. فالتفت إلى أبيه وقال له : حؤولهم إيه ؟ فقال لهأبوه حدثهم عن العلم..

فبدأ الطفل بسرد جميع الآيات في القرآن المتعلقةبموضوع العلم ثم بدأ بجميع الأحاديث التي تحدثت عن العلم ..ثم بين فضل العلماءوأهمية العلم ..
فقالو له يكفي يكفي ....

ثم طلبوا منه أن يتكلم عن زوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأجلسوه على الطاولة ( وذلك في اجتماع له مع النساء ) وقال : زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا فريقين ، فريق مع ستنا عائشة وفريق مع ستنا حفصة ، دول كانوا بيعملوا كدا .....ودول بيعملوا كدا ....

ثم طلبوا منه أن يحدث الأطفال ، فطلب أن يحضروهم أمامه ثم وقف أمامهم وقال : انتو عاوزين تكونون زيي ؟ قالوا نعم قال لهم : تصيروا مثلي بثلاثة أشياء : ركزوا ركزوا ركزوا ...

التركيز مهم جداً .. ساعة تركيز تساوي سنة من الفوضى .. و5 دقائق تركيز تساوي أسبوعا من الفوضى ..


التركيز : هو التخلص تماما منالجو الخارجي والتفرغ لقضية معينة,, فالتفرغ للقضية والتركيز عليها جزء كبيرمن حل القضية, فلا تحل مشاكلك إلا بالتركيز .



ونعود إلى دراسة باندلر وجون جرنندر وهي هندسة نجاح النفس البشرية أي دراسة الوجود الذهني ..فكل شيء له وجودان وجود خارجي ووجود ذهني ..


مثلا هذا الجوال أمامكم موضوع على الطاولة وعلى الحقيبة بالذات .. أغمضوا أعينكم الآن ثم افتحوها أين الجوال ؟
هو فيالحقيقة ليس على الطاولة ولكنه في هذا المكان في الوجود الذهني الوجود أصبح داخليا(وكان الشيخ قد وضعه داخل جيبه بعد أن طلب منهم إغماض أعينهم ) ..



حقيقة نتوصل إليها أن كل الأشياء في العالم لها وجودان وجود خارجي ووجود ذهني ,, إذا (دراسة البرمجة اللغوية ) هو دراسة الذهن ، دراسة الوجود الذهني الداخلي .



فالناجحون لهم أساليب معينة في حياتهم وعلاقاتهم .. المهتمون درسوا هذه العلاقات وهذه الاستراتيجيات وسجلوها :

فمثلا هناك استراتيجيةخالد بن الوليد العسكرية تحتاج إلى مبرمجين لوضع النقاط الرئيسية لها .. استراتيجية أبي بكر الصديق في حروب الردة ،
استراتيجية ديزني هذا الرجل صاحب فكرة ميكيماوس: كان يعيش في غرفة تعيسة مع الفئران عايشهم عاش في خيالهم معهم وبدأيتخيل كيف يتكلمون وكيف يعملون الحفلة للزواج وبداية الأمر كان يحلم ويحلم ويحلم ثم بدا ينقد نفسه ..



ثم أخذ يراقب – استراتيجيته هي – الحالم ----- < الناقد ----- < المراقب

كانت نقطة انطلاقته الحلم وكيف سيربح الملايين بعدأن رسم الخطة قال لزوجته أن هذا المشروع عن الفئران سيجني ملايين الدولارات .. قالتزوجته الحمد لله قلت هذا الكلام لي أنا .. لأنك لو قلته لغيري ما فهمك ولا استوعب ذلك.. طبعا هذه رسالة سلبية منها ولكنه تجاوزها وجعلته يطمح أكثر وأكثر..

ويقالانه بعث أكثر من 2000 رسالة للبنوك ليساعدوه في مشروعه حتى تلقى الرد من احد البنوكويقال أنه أفلس 7 مرات ومع ذلك استمر واستمر
واستمر حتى وصل إلى ما وصل إليه من شهرة وثروة وهو يملك اكبر شركة إنتاج للأفلام الكارتونية ..

هذا علم البرمجة العصبية ... هم درسوا نماذج النجاح عكسوها علينا ... ونحن في تجربتنا سندرس كيفية تطبيق هذه البرمجة على حفظ القرآن الكريم ..

الجزء الثاني







ميّزات هذه الدورة :

بعد الانتهاء من هذه الدورة ستجد أنك قد تكون مطبقا لبعض أساليب هذه الدورة لكن بطريقة صحيحة ومنظمة :

1) الاكتشاف .
2) طريقة التفكير والتغيير .

3) أفكار جديدة في حفظ القرآن الكريم.


هذه النقاط الثلاثة ستحصل عليها بعد هذه الدورة إن شاء الله تعالى


الاكتشاف : ستكتشف طريقةتفكيرك ستكتشف أيضا شخصيتك ستكتشف أنت بأي مكان وبأي موقع من هذه الدورة .. التعلم يكون على ثلاث مراحل : الفضول والإطلاع > ------------ الفهم والاستيعاب >------------ الممارسة والتطبيق





فأنت قبل أن تشترك في الدورة كنت خارج هذه الدوائر الثلاثةوقبل أن تحضر أية محاضرة علمية أنت خارج هذه الدوائر فإذا سمعت عن محاضرة ودخلتفيها تكون في الساعة الأولى أو الدقائق الأولى أو الفترة الزمنية الأولى في فترةفضول وإطلاع ( تقول : والله سمعنا عن دورة جديدة والله بدنا انشوف ايش راح يصير فيها ) فضول وإطلاع لا أكثر ) .. البعض يبقى طوال هذه الدورة داخل الدائرة الأولى فإذا استطعت أن تقفز عن الدائرة الأولى إلى الثانية وبسرعة في الدقائق الأولى فستربحلأنك تريد أن تفهم وتتعلم .. المرحلة الثالثة مباشرة تكون في حالة التطبيق والتجربة .. تجرب ما قلناه في هذه الدورة فأنت في مرحلة التطبيق .. أتمنى أن لا تكون في الدائرة الأولى حاول أن تقفز إلى الدائرة الثانية ثم حاول أن تطبق مباشرة حاول ولا تجلس بدون فائدة أو فقط للإطلاع ..

* جلس شخص في إحدى محاضراتي وخلال التمرينلاحظت عدم مشاركته فيه .. فحينما سألته لماذا لم تشترك ؟ قال لي : " أنا أريد أنأشوف ماذا ستفعل" كان لا يزال في الدائرة الأولى والآن نحاول أن نطبق عمليا ... نحاول أن نتنفس تنفسا عميقا سنبدأ الآن ...


** أول تمرين : هو أن نأخذ نفسا عميقا ... طيب لماذا ؟ وما معنى ذلك ؟

الإنسان فيالأحوال الاعتيادية يستعمل حوالي 30% أو 40% من رئتيه في التنفس .. لكن عندما يكونالتنفس عميقا تفتح جميع شعب الرئتين وكلها تتحرك وتملؤها كلها بالأوكسجين الجديد وبدورها تكون قد غذت الدم بأوكسجين جديد .. والمعروف أن الدماغ يحتاج إلى الدم المغذى بشكل متواصل فالدماغ مبني على:



الدم ----->الدم مبنىعلى الأوكسجين ----->الأوكسجين مبني على الهواء الذي في رئتيك ..

وهناك معلومة طبية ... هناك جهاز يسمى الجهاز اللمفاوي موجود في كلخلايا الجسم إذا منع الأوكسجين منها تتسمم فيتسبب في إزرقاق الجسم ثم اسوداده .. التنفس شيء عجيب جدا.. ولكن كيف نستفيد منه في حفظ القرآن الكريم ؟؟


باعتبار التنفس يفيد بالانتقال من فكرة إلى فكرة أخرى .. أو إجابة سؤال ما .. لذلك عندما تفكر وتفكر .. ثم تأخذ نفسا عميقا فتأتيك الفكرة من اللاوعيوحتى وأنت في قاعةالامتحان عندما تأخذ نفسا عميقا تتذكر ما نسيته..


إذا القاعدة الثلاثية: يغذي........... يغذي


أوكسجين -----> دم -----> دماغ

معلومات من المشاركين في الدورة حول فائدة التنفس :



** أحد الأطباء المشاركين يقول " أن التنفس البطني هو الأفضل وهو يعطي مجالاً أكبر لتوسيع الرئتين وتكون الرئة أكثر راحة والذين يصابون بأزمات قلبية يطلب منهم أن يتنفسوا تنفسا عميقا أو يكح كطريقة من طرق التدليك حتى تبقى عضلات القلب تعمل "



** من إحدى المشاركات في الدورات السابقة " أنا من عشرين سنة عندي خفقان فيالقلب وكان العلاج الوحيد الذي نفعني منذ سنة هو التنفس العميق "



** أيضا مرضى الربو .. يساعد التنفس العميق على تخفيف عدد الأزمات .



**من إحدى المشتركات في الدورات السابقة تقول " تحت الحجاب الحاجز توجد منطقة ميتة لا يدخلها أوكسجين إلاإذا أخذ الإنسان نفسا عميقا عندها تنتعش الخلايا الموجودة في هذه المنطقة .


كذلك نرى الطبيب حينما يفحص المريض يسأل ويفكر فنلاحظ انه يأخذ نفسا عميقا ثم يصف الدواء ويعرف العلة .. كذلك الأطفال عندما يسأل أي سؤاليحتار فيه تراه يأخذ نفسا عميقا ثم يجيب ... في حالات القلق بمجرد التنفس العميقتأتيك الحلول ... هناك دورة كاملة لمدة ثلاثة أيام حول أساليب التنفس ، كتاب كاملأيضا حول التنفس وكتاب أساليب الهدوء تجدونه في مكتبه جرير .. أحد أساليب التنويمالمغناطيسي أنه يجعله يسمع تنفسه,, فالتنفس نعمة عظيمة من الله تعالى لا تكلفنا شيئا بل هي خدمة مجانية لنا تحل لنا كثير من المشاكل ...
إذاَ فيلحظات الإحراج خذ نفسا عميقا .. وفي لحظات التركيز خذ نفسا عميقا .. إذا دخلت علىمحاضرة أو خطبة كن هادئا وخذ نفسا عميقا وبهدوء


((إذا أول شيء تعلمناه من هذهالدورة هو التنفس العميق الهادئ ((

تنفس ببلاش .. لا يكلفك شيئا الهواء موجود فيكل مكان .. أينما تذهب .. في الصباح .. عند الظهر .. في المساء خذ نفسا عميقا ... ثلاث مرات في كل وقت خذ نفسا عميقا....


إذا الحقيقة من هذه الأفكار البرمجية أنك تستطيع أن تلقي أحسن خطبة أو كلمة أو لقاء أمام الآخرين وذلك من خلال النقاط الخمس .. كيف أبرمج عقلي ... وقد جربنا في دورة في أبو ظبي وعجمان وبعد ماعملنا البرمجة هذه قلنا من منكن عمرها ما خطبت ولا تعاملت مع مكبر صوت ( المايك )وهي خجولة جدا .. تتفضل نعمل لها برمجة ولا وحدة تحركت أبدا .. إلا واحدة كانتمترددة في رفع يدها ثم قالت أنا .. قلت لها الآن عندك كلمة من


ثلاث دقائق حددي أي موضوع ثم بدأت تتكلم .. وقد مهدت لها بسؤال أعطاها بعض الهدوء والله تكلمت 7 دقائق حتى أنني أريد أن أسكتها فلم تعد تسكت .. ووالله حتى أخذت تأخذ حركاتي من اللاوعيواللاشعور تفعل ما أفعل عندما أحاضر ....

الجزء الثالث





الشخصيات الثلاثة :


السمعي *********** البصري **************الحسي) شعوري )


1) البصري : هو الذي عيونه دائما تتجه إلى الأعلى إما يمين الأعلى أويسار الأعلى إذا سألته سؤال يتعلق بالمستقبل رأيته يتجه بعينه إلى يمين الأعلى .. أما إذا سألته سؤال عن الماضي فيتجه بعينه إلى يسار الأعلى .. وعندما يتكلم ترىيديه على مستوى نظره .. إلى الأعلى ويتحرك كثيرا .. عيونه تذهب يمين ويسار وحينمايتحدث تراه يذهب يمينا ويسارا ولا يتوقف ... مثلا عندما تضع الكأس على حافة الطاولةيتنرفز .. ولا يرتاح حتى يحرك الكأس .. لأنه عندما يرى الكأس يراه وهو ينسكب علىالأرض أو يقع وينكسر ,, فإذا أردت أن تعذب شخص بصري ضع الكأس على حافة الطاولةأمامه ..!!! أما السمعي لا يهتم .. البصري يعمل عشرات الحركات في آن واحد.


2) أما السمعي : عيونه وسط .. اتجاه يديه عندما يتكلم بمستوى أذنه .. متوسطة .. يميل برأسه إلى جهة الأذن .. يقرب أذنه .. يهمه مستوى الصوت .. ويهتم بنبرات الصوت عند التحدث .. السمعي يحلل ما يسمعه فمثلا يقول .. سمعنا في الأخبار هكذا .... يحلل الأصوات .. الصحاف قال كذا وكذا .. أما البصري فينتبه إلى الطاقية ووضع الميكرفون أمامه .... وفمه الأعوج ...


3) الشعوري ( الحسي ) : فتهمه نبرة الصوت المنخفضة فلا يرفعها .. يتكلم من قلبه ... بمشاعره وأحاسيسه .. المعلمة تتكلم مع طالباتها بمشاعرها

يا بنات .. يا أخواتي .. الزوجة الحسية .. زوجها يتكلم معها كلمتين تتأثر وتبكي وهكذا...

*السؤال المهم هو هل أنا بصري .... سمعي ... أم حسي؟؟؟؟


قد تكون ممن يجمع بين ثلاثة أو اثنين .. ولكن بنسب متفاوتة .. وكل إنسان قد يجمع بين الثلاثة فيكون حسي بنسبة 20 % مثلا .. وبصري بنسبة 70%.وسمعي بنسبة 10 %.


* كيف تعرف ذلك من خلال حفظ القرآن الكريم ...؟؟؟؟

السمعي مثلا : يهتم بصوت ، بمقامات الأصوات .. بالنغمات ، يهتم بالطبقات ، بانخفاضها وارتفاعها ، فحينما أركز على إمام معيّن وأرتاح له في صلاة التراويح مثلا .. وأركز على القارئ الفلاني في هذه السور والقارئ الفلاني في تلك... فأنا سمعي .


أما البصري : فيركز على شكل المصحف طريقة الكتابة ، الخط ، الترتيب ، الأناقة ،الألوان التي في الصفحات .. إلخ


أما الحسي فيتأثر بالمشاعر والأحاسيس التي تردخلال الآيات لذلك هو ينبوع المقرئين من خلال تأثره بالجانب التصويري للقراءة ..



فمثلاالمنشاوي في سورة آل عمران يجعلك تعيش غزوة أحد تماما بمشاعرها وأحاسيسها والحالةالتي كان عليها المسلمون خاصة عندما يقرأ ( إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم ... ) أوفي آخر سورة الحشر أو في سورة الفجر مثلا خاصة عندا يقرأ ( وجئ يومئذ بجهنم يومئذ….)يصور لك الحالة تماما وكأن جهنم مربوطة بالحبال وتجر إلى ساحة الحساب ، إذاكنت من النوع الحسي فإنك ستبحث عن مصطفى إسماعيل وهو قارئ قديم .. فهو يقرأ سورةيوسف ويصورها بأحاسيس ومشاعر رائعة وخاصة في تصوير ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ......)فهو يتفاعل مع الآية بشكل عجيب جدا وكذلك عندما يقرأ ( فأكله الذئب ... )... سبحان لله .. يعيش القرّاء الأحاسيس والمشاعر، ولذلك فإن النقاد الذين يفهمونبالمقامات والدرجات والأصوات يقولون لا نظير له في التصوير المعنوي ، أما محمد رفعت رحمه الله فهو من أوائل من قرأ القرآن وهو يتفاعل مع القرآن بطريقة عجيبة رائعةتأخذ بالألباب ، ومن هنا يتبين لنا السبب والسّر في البحث عن مسجد معين لسماع تلاوةصلاة التراويح مثلا ، فأنت تتأثر وتعيش الأحاسيس وكل ذلك التأثر يأتي من العقلاللاوعي ..


لذلك حينما يكون المتكلم أو الخطيب ناجحا نجده يبدأ بطريقة معينة ،يرفع صوته ثم يخفضه ، يخاطب الجميع كلّ حسب نفسيته ... عمرو خالد مثلا متكلّم ماهرلأنه مرة يتحدث بطريقة بصرية فيصور على الشاشة صورة أم سلمة وهي على الناقة وتريدأن تهاجر مع ابنها سلمة.... ، أو يخاطب السمعيين فيقول لهم ... اسمع كذا.... واسمع كذا ويخاطب الحسيّ فيقول .. تخيّل أنك كذا .. وتخيل ... فهو يؤثر على الجميع ...
أما الشعراء فنجد أن عقلهم اللاوعي يؤثر عليهم ، بعض الشعراء لا يعرفون بحورالشعر ، ولكنه يتأثر بالشعر ويعرفه ، وكذلك بعض المنشدين ، الشاعر الحسّي مثلا يكتب بقلم من نوعية معينة ( بعض الشعراء لا يكتبون الشعر إلا بنوعية واحدة ويهتم بشكل الورقة ،،،

الجزء الرابع





البرمجة اللغوية:


البرمجة اللغوية تشير إلى الأداة أو الآلة التي نبرمج من خلالها عقولنا فاللغة نوعان :1) ملفوظة
2) ملحوظة


فأنت تستطيع أن تبرمج نفسك بلغة ملفوظة وملحوظة من خلال التجارب الكثيرة عليك أن تبدل المفاهيم التالية:



يا غبي ، أنت لا تفهم ------ > تبدلهاإلى يا ذكي أنت الأول ....

إحدى الأخوات كانت تلقب ابنتها الصادقة فكانت تناديها طوال اليوم الصادقة ، فكانت البنت بالفعل صريحة مع والدتها طوال اليوم .. وهكذا
والآن أيها المستمع ،انظر إلى نفسك وفكر ما هي أميز صفة تتميّز بها .. فأنت مثلا .. طموح ،اجتماعي ، متفائل ، أب ناجح ، حنون ، حسّاس ، ذكي ..الخ .

ولا تستخدم الصفات السلبية المتشائمة .. فالبرمجة هي هندسة النفس البشريةودراسة الوجود الذهني فنجد أن بعض هذه الصفات مركزة على الذات ( مواقع الإدراك ) وبعضها مركزة على العلاقة مع الآخرين ..



أما مثال برمجة العقل باللغة الملفوظة :


دخل أستاذ على فصل اشتهر طلابه بالفوضى .. وسألهم لما كل هذه الفوضى ، فقالواله : لا تتعب نفسك معانا يا شيخ لأننا شعبة الأغبياء ، فقال لهم : من قال لكم ذلك ؟قالوا : الأستاذ الفلاني قال أن شعبة أ هي شعبة الأذكياء وشعبة ب هي للمتوسطين وجشعبة الأغبياء ، فقال لهم بل انتم أذكياء وسأسألكم سؤال وستجيبونني عليه لأثبت لكمأنكم أذكياء .. فسألهم سؤال بسيط وأجابوه , فقال لهم أرأيتم أنكم أذكياء ، وبعدفترة ، فعلا تبدل الفصل إلى الأفضل .. هذا هو الشعور الذي جاء به المدرس للطلاب ،برمج عقلهم لفظيا من أغبياء إلى أذكياء ..


ومن ذلك أيضا تجربة الثقة بالطلاب فيعدم الغش بالامتحان ، تجربة الصوم أيضا تعلمنا الثقة بالنفس ومراقبة الذات , فقديختلي المسلم كثيرا بنفسه ولكن لا يفكر أن يفطر ..لأنه يستشعر مراقبة الله له ، أيضاقصة أحد الأخوة الذي يحكي قصته فيقول أنه عندما كان طفلا أراد أن يحفظ القرآنوبالفعل بدأ وحفظ جزأين .. وكان يحفظ بالمسجد فدخل عليه أحد الشيبان وسأله ماذا تفعل فقال له : إني احفظ القرآن ، فتعجب الرجل وقال له : " بدك تحفظ القرآن كله؟؟؟

وأوحى له أن الأمر في منتهى الصعوبة ، ودخل هذا الإيحاء إلى عقله اللاوعيوتأثر به .. ومن ذلك اليوم ترك هذا الرجل حفظ القرآن وما زاد عليه آية وهو الآن يحضر لرسالة الدكتوراة ولم يستطيع الحفظ ...؟؟؟!!!!!!


قصة الشيخ السديس عندما كانطفلا كانت أمه دائما تقول له " يا عبد الرحمن احفظ القرآن إن شاء الله تعالى تصير إمام الحرم "، فكان يأتي إلى الحرم ويراقب حركات الإمام ويفكر هل سيكون مكانه فييوم من الأيام .؟ واخذ يبرمج عقله على ذلك ، وعن طريق العقل اللاوعي حقق هذا الهدفوكان يفكر هل يمكن أن يقرأ بدون أخطاء ؟ وهل يمكن أن يتلو الآية ولا يخطأ في التلاوة...؟؟؟ وبالفعل ما شاء الله تراه يقرأ ولم يُذكر له أي خطأ.!!!


وكذلك من الأمثلة:

مثال الأعصاب والرسائل المرسلة إلى الدماغ ...وأمثلة كثيرة ذكرهاالشيخ منها الماء الساخن والدبوس وقصعة الحلوى.....الخ

الجزء الخامس






العقل اللاواعي والعقل الواعي :

كل إنسان يملك نظامين للعقل : العقلاللاوعي 93% العقل الواعي 7% ...

وظائف العقل اللاوعي:

مثال : عندي موعد هام غدا الساعة السابعة صباحا ، وفجأة استيقظ منالنوم قبل الموعد وبدون منبه ، العقل اللاوعي عمل عمله فمن وظائفه :

1) تخزين المعلومات والذكريات : لذلك انتبه إلى ما يخزنه عقلك اللاوعي...! خزّن ما يلي :

أنا شخصية مهمة فاحترموني.. ليس هناك فشل ولكنهناك تجارب…أنا أحاول ، أنا أجرب ، أنا أستطيع... أنا أستطيع الاستيقاظ فجراللحفظ والصلاة ... أجرب الليلة..
هناك ملاحظة هامة توصل إليها الباحثون وهي أنالعقل اللاوعي يعمل ويحفظ والإنسان جنين في بطن أمه!!!!



وقصة مدرسة الرياضياتلفتت انتباه الباحثين إلى أن الجنين يمكن أن يحفظ ، وقد قاموا بتجارب على الحواملفاسمعوا مجموعة منهن موسيقى ، ومجموعة أخرى أخبار والمجموعة الثالثة تركوهم فلميسمعوهن شيئا , فوجدوا أن كل مجموعة تفاعلت أولادها بعد الولادة مع ما سمعته قبلالولادة !!!!

والمرأة وهي حامل عليها أن تعطي رسائل ايجابية دائمة لجنينها .. ومن الخطأ أن نبعث رسائل الكره وعبارات التذمر إليه، والأمثلة كثيرة والتجارب أكثر من أن تحصى، وهذه بعضها ...



احدي الزوجات حملت بعد 15 سنة وقد تعودت على تلاوةسورة يس ويوسف دائما ، تقول أن طفلتها بعد الولادة بأشهر تصغي لسورتي يس ويوسفوتتأثر بها وتهدأ ...


مدرسة تربية إسلامية طوال فترة حملها هي تدرس سورة الأحزاب لاحظت أن ابنتها تأنس وتصغي لسورة الأحزاب وتهدأ مع أنها لا تتجاوز الأشهر ، ولذلك نرى سنة الأذان في أذن المولود أن ما يسمعه في استهلاله للحياة الدنيا يسمع الأذان والإقامة ..

حينما جاءت امرأة إلى احد الشيوخ قالت له أريد أن أربي ابني تربية حسنة وإسلامية قال لها كم عمره قالت 3 أشهر ، قال لها لقد فاتك الكثير!!!!

إذا أردنا حل مشاكلنا علينا أن نراجع الأساس .


2) العقل اللاوعي معقل للعواطف والأحاسيس:


فكل ما نراه أو نسمعه أننحس به أو نشعر به يخزنه العقل اللاوعي ، فهو معقل للعواطف والمشاعر فهو يخزنالسلبيات والإيجابيات وطبعا يوجد مجال لاستبدالها .. فإذا كان عقلي اللاوعي قد خزنالسلبيات وهذا مؤكد ، إذا عليّ أن أدرك ما هو السلبي وأميزه ثم أجعل على عقلي حارسيمنع دخول السلبيات وهذا الحارس عمله أن يحذف كل شيء سلبي ..


مثلا : أنا كسول .. لا أستطيع .. لا اقدر .. إذا سمعت ذلك من زوجي أو أستاذي أو أبنائي ....الخ احذفهامباشرة وأعمل عليها ( فيشت ) بأشعة الليزر وأوصي غيري أن تستعمل هذه الفيشت ، إذاقيل لي أنا غير فاهم ... لا يمكن أن تعمل ... لا تستطيع .. أقول لهم ( فيشت)ولا أدخلها لعقلي اللاوعي وارفضها مباشرة ..( طبعا كلمة فيشت حركة لصد التأثيرات السلبية وهي كناية عن الحارس الذي يرّد هذا التأثير (

علينا إذا أن نبدل المفاهيم والأساليب والكلمات فبدلا من أن أقول :لا أريد أن أكون فاشلا ، لا أريد أن أكون متخلفا .....



قــــل :



أريد أن أكون ناجحا ... مبدعا .. أريد أن أتمتع بصحة جيدة . ((لا تتكلم عن ما لا تريده أبدا))

لا تقل لابنك لا تنس صلاتك في المسجد.. ولكن قل له : حافظ على صلاتك في المسجد


3( من وظائف العقل اللاوعي أيضا أنه ينظم الأفعال اللاإرادية :


حينما تضع يدك على قلبك وتتفقد دقات قلبك تحس براحة عجيبة ... نحن بحاجة إلى أن نتفقد أنفسنا ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون) علينا أن نهتم بوظائف أجهزتنا الداخلية ، وفي مراحل متفرقة من البرمجة العصبية ،نجد أننا نسمع أعضاءنا ، ونعرف دخائل قلوبنا وكذلك نسمع حركات الرئة ، وقد نلاحظ أنهناك نداءات كثيرة تأتينا من الداخل أبرزها حينما نقول( زقزقت عصافير بطني .. أوقلبي ينادي ..) فالقلب يحتاج إلى غسيل من الصدأ الذي يعلق فيه من الذنوب وجلاؤه ذكر الله تعالى .. نجد أن هذا النداء من القلب كم يلح علينا في رمضان مثلا .. وخاصة فيالعشر الأواخر ..

والآن لنبدأ تمرين عدّ دقات القلب خلال دقيقة ... هذا التمرين يجعلنا نحصل على مزايا كثيرة منها أننا بدأنا باكتشاف أنفسنا وتفقدها .. فإذا جاءك رعب مثلا فعقلك اللاوعي ينظم لك زيادة دقات القلب ( الأفعال اللاإرادية ) لماذا يزيد دقات القلب ؟ ...لأن الدماغ يحتاج في حالة الخوف إلى دم أكثر ليرويه .. فيزيد القلب من ضرباته لإعطاء الجرعات الكافية للدماغ ..


مثال آخر : هذه اللقمة التي تمضغها في فمك ألم تفكر لماذا لم تمضغ لسانك مع أنه قطعة لحم ؟ العقل اللاوعي ينظم ذلك.. عملية البلع ، الهضم ، الامتصاص ، التنفس ، كلها ينظمها العقلاللاوعي .. (التمرين هو وضع اليد على منطقة القلب وحساب عدد دقات القلب خلال نصفدقيقة وضربها في 2 يعطينا الناتج معدل دقات القلب خلال دقيقة .. وإذا كانت النتيجةمن 60 - 80 تكون طبيعية)



4)العقل اللاوعي ينظم العمليات الإرادية كالعادات والتقاليد ويخزنها بحيث تصبحأمور فطرية :



فالعقل اللاوعي يسجل العادات والأعراف منذ الطفولةويحفظها ، فمثلا : صب القهوة للضيف بدون تعليم وتفكير ، بعض العوائل تصب ربعالفنجان إذا زاد كان ذلك عيبا .... هناك من يصب نصفه ، إذا أكثر كان ذلك عيب ..عادات .. في الولائم تختلف العادات ، بعضهم يضع أمامك خروفا كاملا ويتركك ويخرجلتأكل براحتك !!! منتهى الكرم .. والبعض الآخر يعتبره إهانة !!!هذهالعادات والأعراف يتوارثها الأبناء عن الآباء عن طريق تخزينها في العقل اللاوعي .



5)وأخيرا من وظائف العقل اللاوعيأنه يتحكم بالطاقة الجسدية والنفسية ويوجهها :


لو قلت لك يا فلان ( وأشار الشيخ على أحد الحضور ) تعال هنا واقفز من فوق المنضدة على الأرض .. هل تستطيع ؟؟!
أجابه الرجل : لا أستطيع عندي عملية في رجلي ! أشار إلى غيره هل تستطيع أن تقفز من مترين أو ثلاثة .. أو عشرة .. ؟ أكيد لا .. ذلك مستحيل .. ولكن لوقلت لك لو كنت في الطابق الثاني وحاصرتك النيران . .. من كل جهة .. ولم يعد هناكمجال تجد أنك تقفز وبدون تفكير وبكل قوة وذلك لأنك وصلت إلى درجة الإحراج ..


فالعامل الخارجي يحفز الطاقة ويتحكم بها .. إذاً لماذا أنا انتظر الحريق لأقفز .. ؟؟ لماذا انتظر العصا التي تسيرني ..؟؟ لو فرضنا أن ملك الموت جاء الآن وقال لك إن أجلك ينتهي بعد شهرين بالضبط ماذا تفعل ؟؟؟؟؟؟؟؟



يقول شخص : احفظ القرآن في شهرين .. والآخر يقول أحفظ القرآن في شهر وأتفرغ للعبادة في الشهر الآخر .... !!!!
أين هذه الموهبة .. وأين هذه القدرة دون المحفز الخارجي ..؟؟؟؟



من خلال حياتنا العملية نجد أننا أيام الامتحانات نحفظ الكتاب يحتوي أكثر من 200 صفحة في ليلة واحدة لنمتحن به .. وإذا سئلت كيف استطع ذلك تقول إنها مسألة مصيرية .. نجاح أو فشل ؟؟؟

( كلنا يستطيع أن يفكر ويبدع ويخترع ) ولا تقول أن هناك فروق فردية ومواهب وقدرات .. الفروق تكون نسبية .. 5%...10% ، لكن هناك طموحات .. فكل منا يستطيع أن يصل إلى ما يتمنى ويطمح ، بالإصرار والهمة والتركيز والمداومة .. ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )
واسمع لهذه القصة من حياة إحدى الحاضرات تقول : لي ابنة عمة معلمة وزوجها مهندس معماري ، هاجرا من بلدهما لظروفسياسة . استقرا في أمريكا .. درسا الطب .. وعمر الزوج خمس وثلاثون سنة وهي عمرهاثمان وعشرون .. ونالا أعلى الشهادات .. وعملا بالتدريس في الكليات الطبية في جامعةبوسطن وقبل سنوات رأيت زوج ابنة عمتي في التلفاز وقد اكتشف دواءً جديداً لبعضالأمراض السرطانية .. أليس هذا طموحا وإرادة وإصرارا على النجاح؟؟؟؟!!!


** الخلاصة أنه لا يوجد فرق بينك وبينالمخترع والمبدع والقائد العظيم والمكتشففكل إنسان قبل أن يخترع يجلس جلسةتفكر وتركيز ,, ومع هذه الجلسة يخرج بأشياء تشغل قدراته العقلية ومن ثم يحاولويحاول .. ويصمم ويركز ولا يمل وذلك لوجود المحفز والعامل الخارجي كما بينا في الأمثلة السابقة ..



نخرج بخلاصة مهمة : أن برمجة عقلي اللاوعي لحفظ القرآن الكريم يكون بإرسال رسائل إلى العقل … وهذه الرسائل لها خمس مواصفات ..



مواصفات الرسائل للعقل اللاوعي :



1) أن تكون واضحة ومحددة :



أن تبيّن ما تريد لا مالا تريد .. وتحدد الوقت .. جرب أيها المؤمنثلاثة أيام على أن تستيقظ الساعة الثالثة صباحا وانظر هل تستطيع أن تحفظ عشر صفحاتخلال ساعة ونصف ؟؟؟ اكتب ذلك وثبته كتابيا وأرسل رسالة لفظية وكتابية إلى نفسك تقولفيها .. : أنا أستطيع .. أنا قادر .. أنا أريد أن أكون عالما ... مبدعا .. حافظا ..متكلما .. إذا حدد ما تريده .. ولا تقول أنا لا أريد أن أنسى حفظ القرآن مثلا.. أو لاأريد أن أكون جاهلا . وهكذا .. فإذا استطعت أن تحفظ كما حددت أو أقل قليلا أو أكثراستطعت أن تبرمج عقلك على نظام دقيق .. تحفظ صفحة بإتقان كل عشر دقائق . تحدد الوقتتقول نعم نجحت .. إذا سأعمل تحديا اكبر .. سأحفظ في خمس دقائق و حفظتها في ست دقائق ... وهكذا .


ومثال على ذلك الدورة المكثفة التي تقام دائما لحفظ القرآن نجد أنالطلاب يحفظون ( ويتركز الحفظ وبقوة لمدة طويلة ) يحفظون القرآن في شهرين ( ستينيوما ) ولو جئنا إلى الشيخ إبراهيم وهو رجل كبير وحفظ القرآن في خمسة وخمسين يوماقال بدأت ببرنامج محدد كل يوم احفظ بعد صلاة الفجر 9 صفحات ثم أصلي بها الضحى واذهبإلى عملي وبعد صلاة الظهر أراجعها وفي الليل اسمعها للشيخ فأتقنها .. داوم على هذاالنظام وكل ذلك مع الهمة والتصميم والإصرار والرسائل الإيجابية المتكررة إلى العقلاللاوعي استطاع أن يختم الحفظ مع التلاوة اليومية فبرمج عقله على مراجعة 3 أجزاءكل يوم وبعد فترة أصبحت خمسة أجزاء كل يوم ثم 10 أجزاء .. والآن يقول اقرآ 15 جزءكل يوم وبكل سهولة وأنا مرتاح ( أمد الله في عمره ) إذا الخلاصة هي هذه القاعدةالتي يجب أن تضعها في قلبك وعقلك .. : أنا قادر على ذلك .. أنا أستطيع .. أنا جديربذلك ...!!!



2)أن تكون إيجابية غير سلبية ..

أن تكون الرسالة التي أرسلها إلى العقل اللاوعي مركزة علىالإيجابيات .. امنع جميع السلبيات من حياتك ضع نفسك في دائرة الامتياز دائما ..سيطر على عواطفك بالتفكير بالنجاح دائما .. فالنجاح يولد النجاح..


3)أن تدل على الحاضر لا على المستقبل .. ( الآن )

لا تقل بعد الدورة إن شاء الله سأبدأ بتنظيم أموري .. لا ..العقل اللاوعي يجب أن يعمل الآن ومباشرة .. من الآن صمم ونظم وبادر في عقلكاللاوعي أن تفعل كذا وكذا .. لا تسوّف أبدا .. فالتسويف يولد المشاكل يقول الزوج لزوجته اعملي لنا قهوة فتقول له إن شاء الله بس اخلص كذا .. انتظر شوية .. دقيقتانفقط .. الخ . يبدأ التسويف ويمضي الوقت ويخرج الزوج من بيته غاضبا متأثرا بسبب هذاالتسويف ؟؟..!!! لذلك أطفالنا يقولون لا تقولوا : إن شاء الله ... ولا( الله كريم).. لأنها تدل على عدم التنفيذ.

4) أن يصاحب الرسالة مشاعر وإحساس والشعور بتحقيقها :كـــيــــف ؟؟

عليك أن تتخيل كيف حققت هذه الرسالة وتعيش لحظات النجاح وتفرح في قلبك لهذا النجاح عليك أن تعيش لحظات النجاح لفترة لتجد لذة العمل من أجلهذا النجاح .. تقول إحدى الحافظات :أنا كلما أقرا واتلوا القرآن الكريم أتخيلأنني اقرأ أمام الله تعالى وارتق في درجات الجنة فأقرأ أفضل وأرتل بتجويد أحسنوأتذكر ( اقرأ وارتق)..


5)التكرار .. التكرار .. التكرار:


التكرار لهذه الرسائل هي أهم صفة فيها .. كرر رسائلك إلى عقلكاللاوعي ولا تمل ولو أخذنا مثلا من حياتنا العملية نجد أن الدواء الذي يعطى ضدالالتهابات يجب أن تستعمله ثلاثة أيام متتالية . فإذا شعرت بتحسن في اليوم التاليوتركت الدواء حصلت لك انتكاسة مرة أخرى .. ولذلك نجد في

الحديث الشريف حينما جاءرجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له " أن أخي استطلق بطنه " يعني اصيببالإسهال قال : اذهب فاسقه عسلا





.. فجاءه في اليوم الثاني والثالث ويقول له : ما زادإلا استطلاقا .. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكرر .. اذهب واسقه عسلا.. وفياليوم الثالث قال : صدق الله وكذب بطن أخيك .. اذهب فاسقه عسلا .. فجاء في اليوم الرابع وقال شفي أخي ، نجد أن العلاج بالتكرار لثلاثة أيام على الأقل ، كذلكالرسائل يجب أن تكرر إلى العقل اللاواعي ..


* وأخيرا هناك قاعدة تقول : إن الإنسان يسمع فينسى .. ويرى فيتذكر .. ويمارس عمليا فيتعلم ..


والآن لنطبق هذه القاعدة : وأقول لكم ارفعوا أيديكم ( ورفع الشيخ يده اليمنى واخذ يحرك أصابعه بحركات متتالية ) والجميع رفع أيديهم وحركوا أصابعهم فقال لهم : أنا قلت لكم ارفعوا أيديكم ولم اقل حركوا أصابعكم ...!!!!! ألا ترون أن الإنسان يسمع فينسى ويرى فيتذكر ويمارس فيتعلم

الجزء السادس





موضوعنا الذي كان مقدمة هامة للدورة المكثفة عن موضوع أفكار إبداعية في حفظ القرآن الكريم باستخدام علم البرمجة العصبية ..
الكلام الذي سيأتي الآن مبني على المقدمة السابقة في كثير من الأمور ...ذكرت عدة أفكار وقلت لكم : جرّبوا ..جرّبوا .. هل فكر أحدكم أن يجرب بعض هذه الأفكار في الفترة القصيرة الماضية؟؟؟


أجاب أحد الأخوة الحاضرين بأنه حاول استخدام طريقة ( الفيشت )للرسائل السلبية التي واجهها .. علّق عليها الشيخ الفاضل بأنه هو أيضا في طريقرجوعه للبيت جاءته الرسائل السلبية فعمل عليها ( فيشت ) وألغاها .. .. وقال : ماأكثر الرسائل السلبية التي نلاقيها في حياتنا اليومية فإذا فكرنا في هذه الرسائلكثرا لوجدنا أنها : تحبيط .. تحبيط .. تحبيط .. سبحان الله ، علينا أن نمسحها دائماونعيش في ايجابية إيمانية كما كان يعيش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، كما كانيعيشها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، فقد كانوا يعيشون في ايجابية عجيبة جدا ..الصحابي الجليل الذي دخل على رستم بتلك الإيجابية العظيمة .. عمر بن الخطاب كيفكانت إيجابيته حينما اعترض ابوعبيدة على طريقة وضعه لنعله تحت إبطه والناس تهمهمالمظاهر قال له ( أواه يا أبا عبيدة لو كان غيرك قالها ، لأوجعته بالسوط) ... إذاًوضع ( الفيشت) على هذه السلبية .. أيها المؤمن أنت عزيز بهمتك .. عزيز بإسلامك .. عزيز بشخصيتك ..


إخواني : هذا الموضوع مهم جدا ولا أبالغ حينما أقول لكم أننيكلما تكلمت به وذكرته لأحد كلما زادت الفوائد عليّ وشعرت أنني المستفيد من هذاالكلام أكثر من السابق ، إذاً علينا أن نرسل رسائل ايجابية دائمة ونلغي الرسائل السلبية من حياتنا .

ومن المعلومات التي يجب أن نذكرها ونبين مدى تأثيرها على أطفالنا أن هناك إحصائية تقول :
أن الطفل يسمع في حياته إلى سن الثامنةعشرة من عمره حوالي" 148.000 " كلمة (لا ) - رسائل سلبية – ويسمع حوالي "400-600 " رسالة ايجابية ( نعم ) ... فانتبه؟؟؟!!!


في هذا الوقت المضغوط جداإخواني سنبدأ الدورة ، كانت خلاصة الدورة السابقة أن تبرمج عقلك على حفظشيء ما ، أو على مشروع أو على أي شيء ، ترسل له رسائل لها خمسة مواصفات .. وبعد ذلك علينا أن نكتب أمامنا في غرفتنا ، في مكان عملنا ، في المحفظة ، هذه العبارات :
أنا قادر ... أنا أستطيع ... أنا جدير بذلك..


تقول إحدى الأخوات : كنت أكررهادائما وخاصة قبل النوم لدرجة أنني رأيت في المنام أنني أكررها وحتى بعد أن استيقظوجدتني أكررها لا شعورياً..

تعريب وتطوير حسن